«الجريمة والعقاب» لدستويفسكي… الصراع في النفس البشرية

هلا أخبار - زيد خلدون جميل* - «إنه شبح من عالم آخر ذو قدرات شيطانية»، هذا ما قاله الناقد الفرنسي ملكيور دي فوغ (1848 ـ 1910) الذي لم يكن يصف شخصية خرافية، بل الأديب الروسي فيودور ميكايلوفتش دوستويفسكي (1821 ـ 1881). ولم يكن هذا الناقد الفرنسي يحاول المبالغة في التأثير الذي تتركه أعمال دستويفسكي في نفس القارئ، فدستويفسكي كان أول من أدخل الدراسة النفسية لأبطال قصصه ومجتمعهم، وبرع في وصف العذاب الذي كانوا يعانون منه في عقولهم ونتائج تفاعلهم مع محيطهم. وإذا قلنا الأول، فهذا لا يكفي لأنه كان في الحقيقة الوحيد في هذا المجال، إلى درجة أن علماء النفس، ومنهم سيغموند فرويد، حاولوا جاهدين تحليل شخصياته، وبذلك يكون دستويفسكي في الأدب مثل الموسيقار بتهوفن في الموسيقى، كونهما نجحا في خلق نوع جديد من الفن، بدون أن ينجح أحد في تقليدهما.

ولا عجب في هذا، حيث إن قراءة قصة حياة هذا الأديب جديرة بأن تكون قصة مأساوية وعظيمة بحد ذاتها، فقد حكم عليه بالإعدام لأسباب سياسية، وألغي القرار في اللحظة الأخيرة، وقضى أربع سنوات في معسكر اعتقال، وعاش في فقر مدقع ، وأدمن المقامرة، وزار أهم الدول الأوروبية آنذاك، وعانى من الصرع. وهذا أقل ما يمكن أن يقال عن أكثر كاتب تأثيرا في تاريخ الأدب العالمي، الذي تعتبر قراءة قصصه من علامات الثقافة في أوساط الطبقات المثقفة في العالم. وقد نشر دستويفسكي عدة قصص شهيرة، وأشهرها «الجريمة والعقاب» (1866) و»الأخوة كرامازوف» (1879) اللتان تعتبران أشهر قصتين في تاريخ الأدب العالمي.

«الجريمة والعقاب»

تدور أحداث هذه القصة حول الشاب الوسيم «راسكولنيكوف» ذي الثالثة والعشرين من العمر، الذي اضطر أن يترك دراسة القانون بسبب فقره الشديد. ويحاول أصدقاؤه مساعدته بقدر الإمكان، وكذالك عائلته المتكونة من والدته، وشقيقته التي تخطط للزواج من رجل ثري كي تساعد شقيقها ماليا. ويمتاز «راسكولنيكوف» بطيبته واستقامته. وعلى الرغم من فقره الشديد، فإنه يعطي آخر ما كان لديه من المال لأحد أصدقائه الذي تضطر ابنته أن تمارس البغاء كي لا تموت هي وعائلتها جوعا. ولكن الحالة المالية البائسة لـ»راسكولنيكوف» تجعله تدريجيا فريسة لأفكار جنونية، فلماذا يعيش هو في هذه الحالة الكارثية، وهو الشاب المتعلم الطيب والوسيم والمحب لمساعدة الآخرين، بينما يتنعم الأشرار الجهلة في بحبوحة العيش والأموال الطائلة، ويقومون كالحيوانات المفترسة بامتصاص أموال وقدرات الآخرين محطمين حياتهم. ويكتب «راسكولنيكوف» مقالا في مجلة، أن التخلص من هؤلاء المفترسين شيء شرعي ويخدم المجتمع.

وتتركز أفكاره نحو مرابية محلية يرهن لديها الفقراء حاجياتهم، وفي أحيانا كثيرة آخر ما يمتلكونه، ولذلك يقرر قتلها، حيث يعتقد أن عمله هذا سيخدم المجتمع بالتخلص من شرها. واعتقد أيضا أن الاستيلاء على ممتلكاتها من حقه، ولم لا فهو الشاب المثقف الذي يستحق ما تملك تلك المرأة العديمة الفائدة والمؤذية للآخرين. وينفذ «راسكولنيكوف» خطته، حيث يقتل المرابية في شقتها بفأس، ولكنه فوجئ بوجود اختها في الشقة، فاضطر أن يجهز عليها أيضا. ويأخذ «راسكولنيكوف» بضعة اشياء بسيطة وحقيبة صغيرة ويفر هاربا، إذ إن ارتباكه منعه من تفتيش الشقة. واعتقد أنه سيشعر بالارتياح لفعلته، ولكن الأمر تطور في منحى آخر لم يتوقعه، حيث شعر هذا الشاب بحماقته واحتقر نفسه لما فعل، وانتابته نوبات من العذاب النفسي الذي صاحبه شعور بالذنب، فلم يتغير شيء بعد مقتل المرابية، ولم يستفد المجتمع مما فعله، الذي لم يكن سوى جريمة قتل إجرامية مروعة.

وتمنى «راسكولنيكوف» أن يتم اعتقاله ومعاقبته لما ارتكبه. ومن ثم يقوم بأعمال حمقاء للفت الأنظار، علّ الشرطة تلقي القبض عليه. ويكشف سره لأقرب الناس إليه، مما يثير رعبهم غير مصدقين، فيلحون عليه بالاعتراف بجريمته لدى أجهزة الشرطة في أسرع وقت ممكن، خاصة أن شخصا آخر قد اعترف بارتكاب الجريمة لسبب ما، وهو الآن رهن الاعتقال. وفي نهاية المطاف ودع والدته متألما وهي التي لم تكن على علم بالأمر، ثم أبلغ شقيقته وفتاة يحبها بنيته الاعتراف لدى الشرطة. وتقوم محبوبته بتتبعه إلى مركز الشرطة حتى وصوله هناك حيث اعترف بكل شيء، وألقي القبض عليه. وحكمت عليه المحكمة بثماني سنوات في معسكر اعتقال في سيبيريا، حيث أخذ بنظر الاعتبار تبرعه بالاعتراف وإنقاذه رجلا بريئا كان قد اعترف بارتكاب الجريمة. ولكن القصة لا تنتهي هنا حيث تبعته محبوبته إلى سيبيريا، كي تكون إلى جانبه طوال فترة بقائه هناك.

خلفية القصة

كانت روسيا عام 1866 من الدول القوية في العالم، ولكن الفقر المدقع كان الصفة العامة في المجتمع الروسي، الذي كان ينتقل ببطء إلى مرحلة جديدة من التطور، حيث أخذ التعليم ينتشر، وبدأت الحكومة الروسية بإصلاحات اجتماعية مهمة في القرن التاسع عشر مثل، إلغاء العبودية، وقامت في ستينيات القرن بإصلاح النظام القضائي، حيث أصبحت أحكام القضاء الروسي أقل قسوة، وأصبحت نسبة البراءة في المحاكم أربعين في المئة. وقد رافق ذلك ظهور طبقة من الشباب المتعلم من الطبقة المتوسطة، الذين أرادوا تغييرات أوسع وأسرع من ذلك بكثير، واعتقدوا أنهم يعرفون مشاكل المجتمع الروسي أفضل من حكومتهم التي اعتبروها فاسدة وحمقاء حتى النخاع، بدون التفكير ببديل لها، فكل ما فكروا به هو عدم صلاحية النظام القائم بالبقاء. وقد أدت هذه الطبقة بعد ذلك إلى بداية ظهور الفوضويين الذين آمنوا بأنه إذا كانت الحكومة غير قادرة على، أو راغبة في تحقيق مطالبهم، فيجب تحطيم الدولة والقضاء على الطبقة الحاكمة بالعنف. وكان الفوضويون من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور الحزب الشيوعي في روسيا القيصرية وتحديد أساليبه، واستطاع هذا الحزب القضاء على الدولة الروسية، وتأسيس الحكم الشيوعي المظلم الذي خلق فترة سوداوية في تاريخ روسيا، ومن ثم في دول أخرى، ولذلك فلا عجب أن الثوريين في القرن التاسع عشر كانوا من أشد منتقدي قصة «الجريمة والعقاب».

دستويفسكي

كان دستويفسكي على اطلاع على أفكار هذه الطبقة من الشباب المتعلمين، واختلط بهم. ولكن قيام المظاهرات العنيفة التي اجتاحت ألمانيا والنمسا وفرنسا، وبعض البلدان الأوروبية الأخرى عام 1848 جعل الحكومة الروسية تشعر بالخطر، فألقت القبض على بعضهم عام 1849 وكان منهم دستويفسكي الذي حُكِمَ عليه بالإعدام. وفي يوم الإعدام اقتيد هو وبعض رفاقه إلى ساحة الإعدام، واصطف الجنود أمامهم استعدادا لإطلاق النار وتنفيذ حكم الإعدام، فاذا بأحد المحكومين يبدأ بالرقص والغناء غير آبه بما كان يجري حوله قبل أن يتم ربطه بالعمود، ونهره دستويفسكي بشدة، فاستدار نحوه المحكوم الراقص قائلا إنهم على وشك الموت فماذا سيخسرون بالرقص. ووجه الجنود بنادقهم نحو المحكومين، وفجأة أمر الضابط المسؤول بإيقاف كل شيء حيث كان الامبراطور قد أمر بإلغاء حكم الإعدام والحكم على المتهمين بالسجن عوضا عن الإعدام. وكان نصيب دستويفسكي أربع سنوات في معسكر اعتقال في سيبيريا. ومعسكر الاعتقال هذا آنذاك كان أقل شدة من السجن العادي، حيث كان يسمح للسجناء ببعض الحرية في الخروج من المعسكر، ولكن كان عليهم البقاء في المنطقة.

تعتبر قصة «الجريمة والعقاب» نصيحة إلى تلك الطبقة من المتعلمين الشباب بخطأ افكارهم العنيفة، التي لن تحسن المجتمع وتعالج مشاكله، بل تؤذيه وتنشر الخراب، فأفكارهم ساذجة وبسيطة في عالم بالغ التعقيد، وحل مشاكل المجتمع أصعب بكثير مما يعتقدون. وقد عُرِفَ دستويفسكي في حياته وأعماله الأدبية، بأفكاره المحافظة وتعاطفه الكبير مع الطبقات الفقيرة والمهمشة في المجتمع الروسي. وتناولت أعمال دستويفسكي المجتمع الذي يكافح أفراده لضمان بقائهم على قيد الحياة حتى نهاية اليوم، وليس المجتمع الحالي الذي يجاهد أفراده من أجل التفوق وتحقيق الثروات.

ترتكز روايات دستويفسكي على حادثة أو ظاهرة معينة تهز المجتمع، وتثير اهتمام القارئ، وأكثر أنواع الحوادث إثارة هي جرائم القتل، ولذلك فإن قصص دستويفسكي تعتبر من أوائل القصص البوليسية التي تحولت إلى نوع مهم من الأدب العالمي حتى يومنا هذا.

ويستعمل دستويفسكي هذه الحوادث كنافذة يشاهد القارئ من خلالها الحياة البائسة للروسي العادي في القرن التاسع عشر. وينجح في ذكر المعاناة والظلم اللذين يتعرض لهما الضعفاء، في وصف الكثير من الشخصيات الثانوية مثل الابنة التي تمارس الدعارة لتجنب كارثة ستحل بعائلتها، والطفلة شبه العارية في البرد الروسي القارص، لعدم قدرة عائلتها على الحصول على الملابس اللازمة لها، والحصان الذي يتعرض إلى جلد قاسٍ من قبل مالكه مؤديا إلى موته، ويجب التنويه بأن وصف الكاتب لعذاب ذلك الحصان، كان من أجمل ما كتب في الأدب العالمي. ولم تخلُ قصص دستويفسكي من بعض الأنماط المعادة، ففي قصة «الأخوة كرامازوف» مثلا نجد القاتل ينتحر ندما، ونجد كذلك حادثة مماثلة لعذاب حصان. وتمتاز قصص هذا الكاتب العظيم بكثرة عدد الناس الطيبين، وكأنه يقول إن الإنسان العادي طيب بطبيعته، أما الإنسان السيئ فهو استثناء ولا يمكن أن يكون سيئا جدا.

تاثر دستويفسكي بالتاريخ الروسي وتجاربه الشخصية، ويبدو هذا واضحا في كتاباته، فقد عانى من الفقر والديون، ونجد الكثير من هذا في قصصه. وأدمن على المقامرة ما كاد أن يحطمه، ولهذا السبب كتب قصة «المقامر» الشهيرة. وعانى من قسوة والده السكير تجاهه وتجاه بقية العائلة، وقد قتل والده في جريمة بشعة، ولكن القاتل بقي مجهولا، وهذا مشابه لأحداث قصة «الأخوة كرامازوف» المعروفة، التي كان الأب فيها من أصول مغولية مثل أصول عائلة دستويفسكي نفسه. وملأ دستويفسكي قصصه بالرموز، فنجد مثلا أن اسم الشخصية الرئيسية «راسكيلنيكوف» الذي عانى من تناقضات مشاعره، والاسم ماخوذ من كلمة «راسكول» الروسية والتي تعني انقساما أو شقاقا. عرف دستويفسكي أمثال بطل قصة «الجريمة والعقاب» جيدا. وحتى انتقال محبوبة البطل إلى سيبيريا لتكون بالقرب منه في معسكر الاعتقال حتى نهاية حكمه، لم يكن من مخيلة الكاتب، فقد حدث هذا فعلا في التاريخ الروسي، عندما ألقي القبض على مجموعة من الضباط في ديسمبر/كانون الأول عام 1825 بتهمة التمرد على الدولة، في ما عرف بتمرد الديسمبريين، وحكم عليهم بالسجن في معسكر اعتقال في سيبيريا، فقامت زوجات الضباط بالانتقال إلى تلك المنطقة، ورفضن المغادرة حتى أنهى أزواجهن أحكامهم. أما سيبيريا نفسها ومعسكرات الاعتقال فيها، فقد كان دستويفسكي خير من يكتب عنها لقضائه أربع سنوات في ذلك المعتقل.

كانت أول محاولة لإنتاج فيلم عن هذه القصة هو فيلم «راسكولنيكوف» الألماني عام 1923، وتبعه أربعة وعشرون فيلما من مختلف أنحاء العالم، ومنها فيلم أمريكي عام 2002. ولكن المخرج البريطاني الفريد هيتشكوك (1899 – 1980) المختص بالأفلام البوليسية، والمعبرة عن المشاكل النفسية، رفض إنتاج فيلم عنها لاعتقاده أن كل كلمة في القصة تلعب دورا مهما فيها، ولذلك فإن أي فيلم يعطي للقصة حقها يجب أن يكون طوله ما بين ست وعشر ساعات، وأنه بالإمكان إنتاج فيلم مأخوذ من قصة جيدة ولكن ليس من قصة عظيمة لأن المشاهد في هذه الحالة سيقوم بالمقارنة بين القصة والفيلم.

٭ باحث ومؤرخ من العراق

عن القدس العربي

آخر الأخبار

حول العالم