ذكريات "السائر مع الوهم" تحيا من جديد لتستلهم روح تيسر السبول (صور)

  • 16 / 11 / 2019 - 11:25 م
  • آخر تحديث: 16 / 11 / 2019 - 11:31 م
  • أدب وثقافة   
تصوير: اسماعيل أبو شخيدم

** العدوان: السبول أبدع وبقي حاضراً بإبداعه بيننا رغم غيابه، فالمبدع الحقيقي لا يرحل

** إبراهيم نصر الله: زخم كبير وعميق منحها عدد من الممثلين والفنانين والموسيقيين المشاركين

هلا أخبار - استعادت خشبة مسرح المركز الثقافي الملكي في العاصمة عمّان مساء السبت ذكريات الشاعر والأديب الأردني الراحل تيسير السبول، لتستلهم من روحه الحياة بعد أن كان "يسير على الوهم" في السنوات الـ34 التي قضاها متنقلاً بين بلاد الشام والخليج.

برز السبول في أعماله الأدبية منذ بواكير عمره وحصل على جائزة عربية عن رواية "أنت منذ اليوم" في العام 1968 وهو في الـ29 من عمره، لينتحر بعدها بـ5 سنوات، تاركاً وراءه أعمالاً شعرية وأدبية غاية في الدقة والجمال.

وفي أمسية استذكارية أحيا المركز الثقافي الملكي بمجهود يسجل لمديره مفلح العدوان أمسية حضرها عدد واسع من الجمهور، تضمنت عرضاً لفيلم عن حياة السبول منذ نشأته في الطفيلة جنوبي الأردن وانتقاله إلى بيروت ومن ثم دمشق وعودته إلى الأردن ومن ثم انتقاله إلى البحرين فالسعودية، ومن ثم هبط مجدداً في عمّان.

يبدأ الفيلم بمقطع جميل لقصيدة السبول (بلا عنوان)، فيتدفق في المسرح صوت الراحل غازي الشرقاوي وهو يغني القصيدة التي يعلن تيسير في مستهلها عن مصيره ويؤشر على مآله الحتمي (أيمم تخوم النهاية) بعد أن كان (يسير في الوهم).

ويستذكر الأديب سليمان القوابعة الراحل السبول حيث يقول "نتذكره ونتذكر صلابة المنطقة ودورها التاريخي التي ساهمت في بناء شخصيته وزودته بالنخوة، لقد تشرب من جبال الطفيلة روح التحدي وروح الانتماء لأمته العربية"، وعن رواية "أنت منذ اليوم" يقول القوابعة "أنجزها في فترة متعجلة وهذا يدل على الإبداع لديه، وكان بطلها (عربي)".

ويستعرض الفيلم هوية تيسير "منذ أن أغلقت الرياح الصحراوية الحزينة باب بيته العتيق ذات مساء تشريني، ذكريات وهو لا يزال يغذّ الخطى نحو الحقيقة (..) لم تزل في السفر آثار خطانا ذكريات من هوانا حيث جُبناه كأن الكون لا شيء سوانا، حيث رحنا وركضنا فوق أنّات الوعود، كان فتى نحيل الجسد يسير إلى حتفه إلى حيث تشرق شمس الحقيقة وكان من الأوائل في تحصيله العلمي".

"ترك الطفيلة على حافة الصحراء كي لا تغيب في وعيه وراح إلى الجامعة الأمريكية في بيروت كي ينهي تحصيله العلمي في البكالوريس بالإدارة، إلا أن زوابع الصحراء لم تتآلف مع ذلك الخمول الفكري، تركها ليس آسفاً ليرحل إلى عمّان، وحين سألوه (لماذا تركت الحياة البيروتية في الجامعة الأمريكية؟) قال: إنها لا شيء يا صديقي إنها كذب وزيف وتمثيل"، انطلق إلى دمشق هذا المرّة لتتفتق قريحة الفتى الشعرية في أحضان جامعة دمشق.

"يعود إلى عمان ويلتحق بضريبة الدخل لكنها تخنق وعيه وتكمم إحساسه بالحرية فيتركها ويسافر برفقة زوجته (مي اليتيم) إلى البحرين، ولم يطُل المقامُ بهما، حيث قررا الانتقال إلى السعودية باحثين عن فرصة أفضل في العمل، ويبدو أن الترحال والأحلام المحطمة قدر لازما حياة هذا المبدع حتى لحظاته الأخيرة".

"في ديوانه الوحيد الذي سماه (أحزان صحراوية ونشر عام 68) كان يرسم ملامح آلة الحزن التي استوقظت تيسير السبول".

ويقول وزير الإعلام الأسبق راكان المجالي إن تيسير كان مهتماً بشدة إلى الأعمال الجديدة،  أما رئيس رابطة الكتاب السابق موفق محادين فيعتقد أن تيسير السبول والراحلين عرار وأديب هلسا "تشكلوا في الغربة".

أما رفيق دربه الأديب الفلسطيني عز الدين مناصرة فيروي شهادته "كان عنده دوماً تساؤل عن الوجود"، "تحدثنا عن معركة الكرامة وأهميتها للشعبين الأردني والفلسطيني، وقلنا إنه يجب أن يؤرخ لها كمعركة تاريخية بمعادلة الجيش الشعب المقاومة والتي هي تساوي النصر كما حدث عام 68م".

ويضيف "كان لتيسير برنامج عبر الإذاعة الأردنية وقد أثر كثيراً في الأوساط الثقافية الأردنية"، ويعتقد مناصرة أن السمات المشتركة للمنتحرين هي "الطهارة" والتي تحتاج إلى دراسة معمقة بشدة لكي نفهمهم، فيما يقول محادين أن السبول وألبير كامو جمعهما هو هذا (العبث الوجودي) ما أدى إلى مناخات الانتحار عند الأديبين.

يقول مناصرة "الساعة الثانية والربع (15/ 11 / 1973م) أطلق رصاصة جنوبية على رأسه".  

وعلى خشبة المسرح أبدعت فرقة (ترانيم) بقيادة الفنان نصر الزعبي للموسيقى بمشاركة كورال مركز تدريب الفنون وهي تغني من قصائد تيسير، حيث (الأحزان الصحراوية)، وقدم عدد من الشعراء والفنانين الأردنيين قراءات شعرية للسبول، على أنغام العود والموسيقى، وكان أجملها "غجرية".

السائر في الوهم يسير هذه المرة "في عينيه وهج الشمس"، فينشد في الأحزان الصحراوية ": "فأراه ‏بدوياً خطّت الصحراء لا جدوى خطاه، موحشاً يرقب أثار الطلول من زمان، غير أني ‏كُلما استيقظ في قلبي اشتياق لمزيد من تداني والتصاق، ‏كلما ضجّ نداء البوح ‏في أرجاء ذاتي، ‏كلما بوغت أني ‏أتناهى بانسراب اللحظات، كلما أحسست أني بعض دفء الآخرين خلتني عُدت أراه، ‏بدوياً خطت الصحراء لاجدوى خطاه، سار في عينيه وهج الشمس ‏والرمل وعود برمال ‏ومدى الصحراء صمت ‏وعذابات ارتحال، تتغنى ‏وسرى الصوت على مد الصحارى العربية، مودعاً في الرمل غصات أغانيه الشجية".

ولاقت القراءات استحسان الجمهور والتي قرأها الشاعر د. راشد عيسى والفنانون عبير عيسى وحابس حسين وديانا رحمة وأريج دبابنة وهاني الخالدي، وخلف المشهد كان الفنان غسان أبو لبن يرسم بورترية استعادي للراحل بريشته.

وكان مدير المركز الثقافي الملكي مفلح العدوان أعلن إنطلاق فعاليات الأمسية الاستذكارية للراحل تيسير السبول، قائلاً إن هذه الأمسية هي أولى فعاليات برنامج (قامات) أحد برامج المركز الذي هو أحد أذرع الوزارة لرعاية الثقافة في وطننا.

وأشار العدوان إلى أن البرنامج خصص لاستحضار روّاد ومبدعي الأردن الذين كان لهم الفضل في التأسيس لأجيال لاحقة، "لتكون قافلة حاضرةً بيننا لا قافلة منسية، كما وصفها يعقوب العودات (البدوي الملثم) ورصد بعضها في كتاب مهم" – بحسب قوله-.

وقال العدوان: "إننا في هذه الأمسية ضيوف على تيسير السبول بعد مرور 46 عاماً على رحيلة، هذه القامة التي فقدناها  مبكراً حين انتحر في 15 نشرين الأول 1973م وهو يحلم حلماً عربياً مبكراً".

واستحضر العدوان، عدداً من أعمال السبول مثل أحزان صحراوية، مشيراً إلى أن الراحل السبول أبدع وبقي حاضراً بإبداعه بيننا رغم غيابه، فالمبدع الحقيقي لا يرحل.

وأشار العدوان إلى أن هذه الأمسية الاستذكارية هي رسالة وفاء نبعثها من المركز الثقافي الملكي إلى الكبير تيسير السبول قامة شامخة ومبدعة لا تغيب.

بدوره، قال الشاعر إبراهيم نصر الله إن هذه الاحتفالية نوعية ومهمة لرمز من رموز الثقافة الأردنية والعربية للشاعر الراحل تيسير السبول.

وأشار عقب الأمسية في حديث لـ"هلا أخبار" إلى أن زخم المشاركة من ممثلين وفنانين وموسيقيين من الأردن منحها الزخم الكبير والعميق، ولذلك كانت احتفالية بمعنى الكلمة، بعيداً عن نشاطات الاستذكار حيث هي أقرب إلى الاحتفاء بتيسير السبول.

وحضر الأمسية عدد من أصدقاء السبول ومحبيه ونخبة من المثقفين والصحفيين، وكذلك صبا السبول ابنة الراحل تيسير التي أخذت على عاتقها منذ فترة إدارة صفحة عبر "فيسبوك" تحمل اسمه تنشر  من خلالها شعره وكتاباته ومراسلاته.

آخر الأخبار

حول العالم