
مجدي قبالين*
يعتقد كثيرون أنّ مفهوم الامن السيبراني هو حماية المراسلات او الوثائق أو الفضاء الالكتروني أو توفير الحماية من وسائل الاختراق. نعم جميع ذلك يندرج تحت بند أمن المعلومات، لكن ذلك يعدّ جزءاً محدوداً من محيط واسع في علم الامن السيبراني.
فاليوم الأمن السيبراني هو فن هائل كبير تشكل من اتحاد امن المعلومات مع الذكاء الاصطناعي مع علوم هندسة الاجتماع وتحليل الرأي العام والتوجهات. وهو علم يستعمل على نطاق واسع بالشركات والتسويق والسياسة ومجالات كثيرة .
تمكن الانسان لدرجة كبيرة من محاكاة طريقة عمل العقل البشري في جوانب كثيرة وابتكر علوم الشبكات العصبية بالكمبيوتر Neural Network وتفرع اكثر في تحليله ففقه وجود المنطقة الرمادية وخرج بعلم ال Fuzzy Logic او ما يسمى بالمنطق الضبابي، ووضع أسس علم تعلم الالة التي كانت مدخلاً حتى في نقاشات دينية وجودية متقدمة بين اهل الفلسفة والدين تجاوزت حدود الدين المعروفة .
كان عالم الرياضيات Norbert wieners هو أول من أشار لهذا العلم بنظرته الشمولية التي نتحدث عنها الان، بخاصة في ميدان التوجيه والتحكم وادارة توجهات البشر في كتابه الشهير Cybernetics: Or Control and Communication in the Animal and the Machine .
يرتبط مفهوم هندسة الواقع أو هندسة الرأي العام باستعمال أساليب ما يسمى الهندسة الاجتماعية الذي يقع في حيز العلوم المتقاطعة بين التقنية والسياسة وادارة الرأي العام. إذ يتطلب ذلك معرفة بالواقع السياسي المراد تحليله وتوجيهه ومعرفة الأدوات المناسبة لذلك وقواعد استعمالها لتحقيق الهدف المنشود. وبذلك نكون أمام لوحة فنية هائلة ظاهرها بسيط وفي داخلها تفاصيل عميقة تجمع عدة علوم مع بعضها البعض وينتج عنها نتائج تطابق ما نسمعه في بعض الروايات ونظريات المؤامرة عن الخطط المتشعبة طويلة الامد ذات النتائج الراسخة الثابتة .
وعندما نتحدث عن الامن السيبراني على مستوى الدولة يجب أن نتحدث عن المعلومة والادوات والمواد ومصادرها وجميع فرعيات هذه التشكيلة كسلسلة من الخلايا العصبية المترابطة المتداخلة، فهناك نموذج رياضي فرعي يخرج عنه معطى مهم يبنى عليه قرار بما يخص معطى اخر يكون للمعطى الاخر وزن اقل في قياس التأثير على قرارات اخرى وكلما زادت دقة المعلومة من حيث المحتوى والتوقيت كان لدينا مكائن حقيقية توفر لنا نتائج نهائية حقيقية تعتبر فعلا اداة توجيه وحتى وسيلة حرب !
من المعروف أنّ مصادر قوة الدولة وأشكالها تتغیر، فإلى جانب القوة الصلبة الممثلة في القدرات العسكریة والاقتصادیة، تزاید الاهتمام بالأبعاد غیر المادیة للقوة، ومن ثم بروز القوة الناعمة التي تعتمد على جاذبیة النموذج والإقناع والتدبير والتخطيط، ومع ثورة المعلومات ظهر شكل جدید من أشكال القوة هو القوة السیبرانیة (Cyber power) التي لها تأثیر كبیر على المستوى الدولي والمحلي، فمن ناحیة أدت إلى توزيع وانتشار القوة بین عدد أكبر من الفاعلین ما جعل قدرة الدولة على السیطرة موضع شك، ومن ناحیة أخرى منحت الفاعلین الأصغر قدرةً أكبر على ممارسة كل من القوة الصلبة والقوة الناعمة عبر الفضاء السيبراني، وهو ما یعني تغیرات في علاقات القوى في السیاسة الدولية.
من هذا المنطلق أصبح الباحثون في حقل العلاقات الدولية وبقية الحقول الفرعية في الدراسات الأمنية والدراسات الاستراتيجية يركزون بشكل متزايد حول أثر التكنولوجيا على الأمن القومي والدولي، ويشمل ذلك تأثيرها على المفاهيم ذات الصلة كالقوة power والسيادة sovereignty, الحوكمة العالمية global governance والأمننة securitization .
الامثلة كثيرة في هذا المجال وهذا ما يعتقد ان روسيا قد قامت به في الانتخابات الاميركية للتأثير على الناخبين. فلم تعد مجبرا على دفع الناخب بشكل مباشر على انتخاب شخص معين ولست بحاجة للدفع اليه لفعل ذلك ولا داعي لان تتورط بالمال السياسي كما يفعل كثيرين، كل ما تريده حقاً هو معلومات دقيقة من الميدان المراد استهدافه بتوقيتها الصحيح ثم تقوم بتوظيف هذه المعلومات بعدة أنظمة وخطوات تحليلية تشمل جزئيات تستغرب انك لم تفكر بها، لكن أنظمة الكمبيوتر المتخصصه فكرت فيها لأنها تعتمد مراحل اكثر تعقيدا من التفكير الاستباقي للانسان والامر مشابه للعبة الشطرنج.
في عدة ابحاث منشورة تبين أن الروس كانوا يقومون فعليا بجمع معلومات اجتماعية بحجم هائل من وسائل التواصل وبنفس الوقت كانو متورطين بضخ اخبار معينه في ولايات معينة وفي قطاعات معينه وضخها بتواقيت معينه محددة وحساسة لتحقيق اهداف محددة تمثل جزءاً من منظومة أكثر شمولية بحيث يكون امامهم نظام كبير، مكون من سلسلة من الانظمة الصغيرة الفرعية. وطبيعة هذا النظام تكون ديناميكية لا تعتمد فقط على الرياضات، التي نعرفها وانهما تعتمد بجزئية كبيرة على التعلم الذاتي من اي معطى جديد بحيث تنعكس على جميع اجزاء النظام بشكل تفاضلي.
للأشخاص المهووسيين بالمؤامرة تفكير ذو بعد واحد في هذه المدرسة وهو ان العالم دمى وهناك من يحرك هذه الدمى. وهنا أقول أن يملك قوة ادارة موارد الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي سيملك الى حد كبير تحريك قطاعات مختلفة كدمى وهذا متفق عليه عند اهل العلم في ذلك .
في نهاية المطاف نحن امام علم جديد يستوجب منا تجهيز انفسنا لنوع مختلف من الحروب والمعارك سيكون المستهدف الاول فيها هو الجيل الجديد الذي سيناط به قيادة حضارتنا لعقود طويلة قادمة وهي فعلياً حرب بقاء ووجود وصمود وادواتها نستعملها بشكل يومي اهمها وسائل التواصل الاجتماعي التي نقضي عليها اغلب وقتنا.
- خبير متخصص في الأمن السيبراني
