المومني: مصداقية الاستطلاعات تُناقش من خلال المنهجية العلمية
هلا أخبار – خاص – أظهر استطلاع للرأي العام الأردني أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية بشأن تقييم أداء حكومة الدكتور جعفر حسان، أن 66% من الأردنيين يثقون بالحكومة بدرجة كبيرة أو متوسطة، فيما رأى 56% أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.
وبيّن الاستطلاع، ارتفاع مستويات التأييد لعدد من المبادرات الحكومية، وفي مقدمتها مشروع النقل المدرسي، الذي حظي بتأييد 97% من الأردنيين، والجولات الميدانية لرئيس الوزراء بنسبة 79%، إلى جانب تأييد تطوير التعليم المهني بنسبة 75%، وإشارة 72% إلى تحسن الخدمات الطبية عقب توسعة المستشفيات.
مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الدكتور حسن المومني فسر دلالات نتائج الدراسة الأخيرة عبر برنامج “مطب إذاعي”، الذي يبث على راديو هلا، متناولا المؤشرات في تقييم الأداء الحكومي، ومدى ارتباط ثقة المواطنين بقدرة الحكومة على تقديم خدمات ملموسة، إلى جانب التحديات المتعلقة بالمشاركة السياسية، والأوضاع الاقتصادية، وإدارة الملفات الإقليمية.
ثقة بالحكومة واتجاهات الرأي العام
قال المومني إن استطلاعات الرأي تمثل أداة أساسية لإنتاج المعرفة وتوفير معلومات موضوعية وموثوقة لصنّاع القرار، موضحاً أن المركز يجري استطلاعات دورية لقياس اتجاهات المواطنين وتقييم أداء الحكومات، إلى جانب دراسات تتناول قضايا وطنية وسياسية واقتصادية واجتماعية.
وفي قراءته لنسبة الثقة بالحكومة، البالغة 66%، وصف المومني النتيجة بأنها مؤشر إيجابي ومريح نسبياً، مع التأكيد على ضرورة قراءتها في سياقها، وعدم إغفال النسبة المقابلة التي لا تمنح الحكومة مستوى الثقة ذاته.
وأشار إلى أن تقييم المواطنين يتأثر بالأداء الحكومي والمبادرات المنفذة والظروف والتطورات المحيطة، لافتاً إلى أن الأرقام لا ينبغي التعامل معها بمعزل عن طبيعة القضايا المطروحة ومستوى انعكاسها على الحياة اليومية.
وأضاف أن اعتبار 56% من الأردنيين أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح يمثل مؤشراً إيجابياً، لكنه يستدعي في الوقت نفسه دراسة مواقف النسبة المتبقية وفهم أسبابها، والعمل على تحسين الأداء في الاستطلاعات المقبلة.
الجولات الميدانية تعزز التواصل المباشر
أظهر الاستطلاع تأييد 79% من الأردنيين للجولات الميدانية التي ينفذها رئيس الوزراء، وهي نسبة وصفها المومني بالمرتفعة، مشيراً إلى أن هذا الاتجاه ظهر أيضاً في استطلاعات سابقة.
وأوضح أن هذه النتيجة تعكس رغبة المواطنين في التواصل المباشر مع المسؤولين، والاطلاع على متابعة قضاياهم واحتياجاتهم على أرض الواقع، معتبراً أن الزيارات الميدانية تمثل أحد العوامل التي يمكن أن تسهم في تعزيز الثقة بالحكومة.
وربط المومني مستوى الرضا الشعبي بمدى شعور المواطنين بأن القرارات الحكومية تستجيب لأولوياتهم، مستشهداً بالإجراءات المتعلقة بضبط النفقات، ومنها منع السفر غير الضروري للوزراء، بوصفها أمثلة على خطوات قد تعزز شعور المواطنين بجدية الحكومة في إدارة الموارد العامة.
الصحة والتعليم المهني ضمن أولويات المواطنين
وفي قطاع الخدمات، أشار الاستطلاع إلى أن 72% من الأردنيين لمسوا تحسناً في الخدمات الطبية بعد توسعة المستشفيات، فيما أيد 75% تطوير التعليم المهني.
وأكد المومني أن الصحة والتعليم من أكثر القطاعات ارتباطاً بحياة المواطنين، وأن تحسين الخدمات فيهما يتطلب استمرارية في الجودة والتوسع في نطاق الاستفادة، وليس الاكتفاء بإطلاق المبادرات.
وأوضح أن التوسع في الخدمات الصحية وفتح مرافق ومراكز إضافية من شأنه تعزيز قدرة القطاع على تقديم الرعاية، مشدداً على أهمية أن يلمس المواطن أثر هذه الإجراءات بصورة مباشرة.
وفيما يتعلق بالتعليم المهني، تعكس نسبة التأييد، وفق المومني، قبولاً مجتمعياً بأهمية تطوير هذا المسار التعليمي، في ضوء ارتباطه بالاحتياجات الاقتصادية ومتطلبات سوق العمل.
تأييد واسع لمشروع النقل المدرسي
سجل مشروع النقل المدرسي أعلى نسب التأييد التي جرى تناولها في المقابلة، إذ بلغت نسبة المؤيدين له 97% من الأردنيين.
ووصف المومني النسبة بأنها مؤشر قوي على أهمية المبادرة، نظراً لارتباطها بالتعليم والحياة الاجتماعية والاقتصادية للأسر، مشيراً إلى ضرورة الانتقال من قياس التأييد إلى تقييم التنفيذ الفعلي، ورصد الملاحظات التي قد تظهر أثناء التطبيق والعمل على معالجتها.
وأكد أن نجاح المبادرات العامة لا يقاس بمستوى قبولها فقط، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، لافتاً إلى أن المبادرات التي تخفف الأعباء اليومية وتحسن الوصول إلى الخدمات تحظى بفرص أكبر لاكتساب ثقة المجتمع.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن مشروعات النقل العام، ومنها الباص سريع التردد، تكتسب أهمية خاصة في ظل تحديات الازدحام المروري والنقل، ما يجعل تطوير هذا القطاع عاملاً مؤثراً في جودة الحياة اليومية.
62% متفائلون بإدارة الملفات الإقليمية
وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية، أظهر الاستطلاع أن 62% من الأردنيين متفائلون بقدرة الحكومة على إدارة الملفات الإقليمية.
وقال المومني إن هذا المؤشر يرتبط بالمزاج السياسي العام، وبمدى إدراك المواطنين لطبيعة الظروف المحيطة بالأردن والتحديات التي تفرضها التطورات الإقليمية.
وأضاف أن موقع الأردن الجيوسياسي، والتعامل مع الأزمات الإقليمية، بما فيها حرب غزة، أسهما في تعزيز إدراك المواطنين لأهمية الأمن والاستقرار، وقدرة الدولة على الموازنة بين مصالحها الوطنية والتزاماتها الاستراتيجية.
وأكد أن الحكومة تعمل ضمن منظومة الدولة الأردنية، وأن تقييم إدارة الملفات الإقليمية يتأثر كذلك بمستوى الثقة بالمؤسسات وقدرتها على حماية الاستقرار والتعامل مع الأزمات.
استقرار أسعار السلع.. تقييم إيجابي لدى قادة الرأي
وفي محور استقرار الأسعار، أفاد المومني بأن 54% من قادة الرأي قيّموا دور الحكومة في استقرار أسعار السلع الأساسية بصورة إيجابية.
واعتبر أن قراءة هذا المؤشر تستلزم مراعاة طبيعة العينة، التي تضم فئات منخرطة في الشأن العام، بما في ذلك شخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية، إلى جانب متابعة هذه الفئات للإجراءات الحكومية وتطورات الأوضاع الاقتصادية.
وشدد على أهمية متابعة المؤشرات الاقتصادية بصورة متكاملة، وعدم الاكتفاء بمواقف الرأي العام، بل ربطها بالتغيرات الفعلية في مستوى الدخل والقوة الشرائية والأسعار والتضخم وفرص العمل.
وأوضح أن تحسن تقييم الأداء الاقتصادي يرتبط بمدى شعور المواطن بارتفاع دخله الحقيقي، واستقرار الأسعار، وتوافر فرص العمل، وقدرة المشروعات الجديدة على تحقيق نتائج ملموسة.
34% يعتزمون المشاركة في الانتخابات البلدية
وفي ما يتعلق بالمشاركة السياسية، أشار الاستطلاع إلى أن 34% يعتزمون المشاركة في الانتخابات البلدية المقبلة، فيما لا يزال نحو 20% مترددين في حسم موقفهم، وفق الأرقام التي وردت في المقابلة.
ووصف المومني النسبة بأنها تستحق الاهتمام والدراسة، مؤكداً أن نوايا المشاركة قد تتغير تبعاً للظروف والتطورات التي تسبق الانتخابات.
وقال إن هذه النتائج تمثل رسائل للجهات المعنية بالعملية الانتخابية، بما فيها الحكومة والمؤسسات المختصة والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، للعمل على فهم أسباب العزوف أو التردد، وتوسيع قاعدة المشاركة.
وأضاف أن تعزيز المشاركة السياسية مسؤولية مشتركة، تتطلب تطوير دور الأحزاب ومؤسسات التنشئة والتثقيف السياسي، وتحفيز المواطنين على المشاركة في اختيار ممثليهم.
وأشار إلى أن ارتفاع المشاركة يعزز فرص تشكيل مجالس أكثر تمثيلاً للمجتمع، ما يجعل دراسة أسباب انخفاض نوايا التصويت مدخلاً مهماً لتحسين العملية الانتخابية.
التفاعل المباشر ما يزال يحظى بثقة أكبر
وتطرق إلى وسائل التواصل بين المواطنين والحكومة، في ضوء توسع استخدام المنصات الإلكترونية والاتصال الرقمي.
وأوضح المومني أن الأدوات الرقمية أصبحت جزءاً أساسياً من التواصل الحكومي، إلا أن نتائج الاستطلاع، تشير إلى استمرار أهمية التفاعل البشري المباشر لدى المواطنين، رغم التوسع في المنصات الإلكترونية.
وتعكس هذه النتيجة، وفق المومني، الحاجة إلى تطوير قنوات الاتصال الحكومي بما يحقق التكامل بين الخدمات الرقمية والتواصل المباشر، مع ضمان الاستجابة الفعلية لملاحظات المواطنين وشكاواهم.
وأضاف أن الجولات الميدانية والتواصل الشخصي يظلان من الأدوات المهمة لفهم الاحتياجات المحلية وبناء الثقة، ولا سيما عندما يقترن التواصل بمتابعة المشكلات ومعالجتها.
عينة وطنية موسعة ومنهجية قابلة للنقاش
وفي رده على التساؤلات المتعلقة بمصداقية نتائج الاستطلاع، أكد المومني أهمية مناقشة المنهجية العلمية التي استندت إليها الدراسة، بدلاً من الاكتفاء بالتشكيك في النتائج أو قبولها بناءً على الانطباعات الشخصية.
وأوضح أن عينة الاستطلاع اختيرت عشوائياً وبما يراعي التمثيل على مستوى المحافظات، مشيراً إلى أن الدراسة شملت 753 نقطة ميدانية في مختلف محافظات المملكة، وأن العينة الوطنية بلغت 2000 مستجيب، وفق الأرقام التي ذكرها خلال المقابلة.
وشدد على أن نتائج الاستطلاعات تظل قابلة للتحليل والمقارنة مع الدراسات السابقة، وأن الاعتراض العلمي عليها ينبغي أن يستند إلى أسئلة واضحة بشأن تصميم العينة وأدوات القياس وآليات جمع البيانات وتحليلها.
كما أشار إلى أن المركز يتيح المجال للاستفسارات والنقاش حول نتائجه، معتبراً أن الاختلاف في قراءة الأرقام جزء من طبيعة الفضاء العام، شريطة أن يستند الحوار إلى معلومات وحجج موضوعية.
إنتاج المعرفة أساس تطوير القرار العام
وفي محور أوسع، شدد المومني على أن وظيفة استطلاعات الرأي لا تقتصر على نشر نسب التأييد والثقة، بل تمتد إلى بناء قاعدة معرفية تساعد على تفسير اتجاهات المجتمع وتشخيص المشكلات وتطوير السياسات العامة.
وأوضح أن الأرقام تتيح للباحثين مقارنة المواقف عبر الزمن، ودراسة أسباب التغير في اتجاهات المواطنين، وتحديد المجالات التي تتطلب تدخلاً أو مراجعة.
وأشار إلى أن نتائج الاستطلاع يمكن أن تشكل أساساً لدراسات متخصصة، تشمل أثر الزيارات الميدانية في ثقة المواطنين، ومدى فاعلية التواصل الرقمي، وتقييم المبادرات الحكومية والمشروعات الاستراتيجية.
وأكد أن جودة عملية صنع القرار ترتبط بتوافر معلومات موثوقة وموضوعية، وبقدرة المؤسسات على تحويل نتائج الدراسات إلى إجراءات عملية قابلة للتقييم والقياس.
المشروعات الاستراتيجية تحت اختبار الأثر الملموس
ولفت المومني إلى أهمية تقييم المشروعات الوطنية الكبرى، مشيراً إلى أن نجاحها يتطلب متابعة مراحل التنفيذ وقياس أثرها على المدى القصير والمتوسط، وليس الاكتفاء بالإعلان عنها أو قياس التأييد الأولي لها.
واستشهد بمشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يرتبط بإحدى أبرز القضايا الاستراتيجية في الأردن، إلى جانب مشروع سكة الحديد في العقبة، باعتبارهما من المشروعات التي يُنتظر أن تسهم في دعم البنية التحتية وتعزيز فرص الربط الإقليمي.
وأكد أن تقييم هذه المشروعات ينبغي أن يستند إلى مؤشرات واضحة تتعلق بمعدلات الإنجاز، والأثر الاقتصادي والخدمي، ومدى انعكاس النتائج على حياة المواطنين.
وأكد على أن استطلاعات الرأي تمثل جزءاً من منظومة أوسع لإنتاج المعرفة الوطنية، وأن الاستفادة الحقيقية منها تتحقق عندما تتحول نتائجها إلى أدوات للتقييم والمساءلة وتحسين الأداء الحكومي، بما يعزز الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
