الأربعاء, 21 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية

بين الصندوق والميدان الديمقراطية وإدارة الدولة في معادلة الاستقرار

العين حسين الحواتمة

ساد طويلاً اعتقاد بأن الديمقراطية، بصناديقها وتداولها السلمي للسلطة، تمثّل الضمانة الأولى لأمن الدول واستقرارها. غير أن ما تشهده فرنسا منذ أسابيع، وما يتردد صداه في دول أوروبية أخرى، يعيد طرح السؤال من زاوية مختلفة: إذا كانت الديمقراطيات الراسخة نفسها تواجه غضب الشارع، فهل يكفي النظام الديمقراطي وحده لضمان الاستقرار؟ أم أن العامل الحاسم يكمن في مكان آخر: في كفاءة إدارة الدولة، وقدرتها على الحفاظ على مستوى معيشة لائق، واستمرار الخدمات العامة، وقرب صانع القرار من المواطن؟

انطلقت الموجة الفرنسية من الوسط الطلابي احتجاجاً على أوضاع التعليم، ثم اتسعت لتشمل الأجور وتكاليف المعيشة وتراجع الخدمات، حتى أعلن المنظمون في السابع عشر من تشرين الأول عن أكثر من ستمئة تظاهرة، فيما حذّرت شرطة باريس من خروج الحركة عن سيطرة مطلقيها. واللافت أن ذلك يجري في دولة تُعدّ من أعرق الديمقراطيات، حيث الانتخابات حرة، والمؤسسات راسخة، والصحافة مستقلة. وهو ما يشير إلى أن التحدي لا يتعلق بالآليات الديمقراطية ذاتها، بقدر ما يتعلق بصعوبة تحويلها إلى نتائج سريعة يلمسها المواطن في ظروف اقتصادية ضاغطة.

وتكشف الأرقام هذه الفجوة بوضوح. فقد أظهر مسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، المنشور في حزيران 2026، أن 68% من المشاركين في الدول الأعضاء يرون أن التصويت يؤثر في عمل الحكومة، بينما لا يرى سوى 31% أن النظام السياسي يتيح لأمثالهم رأياً في قراراتها. أي أن المواطن يملك صوته يوم الاقتراع، لكنه لا يشعر بأن هذا الصوت يُسمع في الفترات الفاصلة بين انتخاب وآخر. والاستقرار، في نهاية المطاف، لا يُبنى في يوم التصويت، بل في الأيام التي تليه: في المدرسة، والمستشفى، والراتب، وكلفة السكن، وفي شعور المواطن بأن من يدير شؤونه يرى واقعه كما هو.

وتواجه الإدارة الفرنسية، كغيرها من الحكومات الأوروبية، معادلة معقدة: مشهد سياسي متعدد الأقطاب يجعل تشكيل أغلبيات مستقرة أمراً صعباً، وضغوط مالية والتزامات أوروبية بخفض العجز تحدّ من هامش القرار، في وقت تتزايد فيه توقعات المواطنين. وفي مثل هذه الظروف، قد تتسع المسافة بين ما تستطيع المؤسسات تقديمه وما ينتظره المجتمع، فيغدو الشارع إحدى قنوات التعبير. وهنا يتضح أن الأمن لا يُختزل في حفظ النظام؛ فالإجراءات الأمنية قادرة على احتواء العنف، لكنها لا تجعل السكن ميسوراً ولا تعيد بناء الثقة.

ولا تتوقف تداعيات ذلك عند حدود الدولة. ففرنسا عضو دائم في مجلس الأمن، وقوة نووية، وثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، وركن في حلف شمال الأطلسي؛ ومن الطبيعي أن تنعكس تحدياتها الداخلية على أولوياتها الخارجية. وإقليمياً، قد يتحول احتجاجها إلى نموذج يُحتذى، أو فرصة لقوى متطرفة توظّف الإحباط، بما يمسّ تماسك الاتحاد الأوروبي في ملفات الهجرة وحرب أوكرانيا والدفاع والاستقرار المالي. وعالمياً، قد يؤثر انصراف أوروبا إلى شؤونها الداخلية في حضورها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجارةً وطاقةً ومساعداتٍ ووساطة. وهكذا يتأكد أن ما يحدث في بلد يمتد إلى إقليمه، وما يحدث في الإقليم يمتد إلى العالم، وأن كفاءة إدارة الدولة باتت جزءاً من معادلة الأمن الدولي.

الأردن: حين تصنع الإدارة ما لا يصنعه غيرها.

في المقابل، تقدّم التجربة الأردنية قراءة مختلفة لمعادلة الاستقرار. فالأردن دولة محدودة الموارد الطبيعية، تقع في قلب إقليم مضطرب، وتحمّلت تبعات أزمات جوارها المتعاقبة من حروب وموجات لجوء وانقطاع لطرق التجارة. ومع ذلك، حافظ على أمنه واستقراره واستمرارية مؤسساته وخدماته. والتفسير لا يكمن في وفرة الموارد، بل في طبيعة إدارة الدولة: في مرونتها، وقدرتها على استيعاب الأزمات ومواجهتها بدل الهروب منها. ويُضاف إلى ذلك أن الأردن يمضي بخطى مدروسة في نهجه الديمقراطي، وفق ما تمليه احتياجاته وظروفه الخاصة، لا استنساخاً لمدرسة بعينها أو محاكاةً لنموذج دولة أخرى.

×