الخميس, 5 نوفمبر 2026
مساحة إعلانية

عمر العبداللات.. من طفل سبقته ريشته إلى رسام يرى في الكاريكاتير قوة لتغيير المجتمع

هلا أخبار – خاص – في طفولته، كان الرسم يسبق الكلام، وفي مسيرته المهنية أصبح وسيلة للتفكير والتنوير ومواجهة التطرف. وبين شخصية “عوض أبو شفة” وجائزة محمود كحيل، والذكاء الاصطناعي الذي يهدد مهنته ولا يخلو من فوائده، يروي رسام الكاريكاتير الأردني عمر العبداللات حكاية عشرين عاما من الشغف، في لقاء مع الإعلامية يارا جوبان عبر برنامج “سبع فنون” الذي يبث على راديو هلا.

لم يكن عمر العبداللات بحاجة إلى أن يتعلم كيف يتحدث كي يجد طريقه إلى العالم. ففي الوقت الذي كانت فيه الكلمات تتأخر على لسانه، كانت يده تسبقها إلى الورق، ترسم وتعبّر وتقول ما لم يكن قادرا على قوله بالكلام.

تلك الحكاية التي ترويها والدته عن طفولته، ويستعيدها اليوم بابتسامة، تبدو كأنها مقدمة مبكرة لمسيرة فنان اختار الرسم لغة للحياة، ولم يتعامل معه يوما بوصفه مجرد موهبة أو مهنة.

في الصف الأول الابتدائي، لاحظت معلمته أنه لا يتحدث داخل الصف. أقلق الأمر والدته، التي كانت تتابع وضعه الدراسي، قبل أن تسمع من معلمة أخرى ملاحظة مختلفة تماما: “ابنك رسام، برسم”.

ربما بدأ عمر الرسم قبل أن يبدأ الكلام، لكنه لا يقدم حكايته بوصفها قصة تفوق فني مبكر بقدر ما يراها رسالة إلى الأهالي: “لا تستعجلوا الحكم على الأطفال، فالتعبير لا يقتصر على الكلام، ولا يسير جميع الأطفال بالسرعة نفسها. قد يجد طفل طريقه إلى العالم عبر الرسم، وآخر عبر الموسيقى أو أي وسيلة أخرى”، يقول عمر. 

ومن هنا، ربما نفهم لماذا يصف العبداللات الرسم بأنه “نعمة كبيرة”، ولماذا يتمنى أن يواصل ممارسته طوال حياته. فالفن بالنسبة إليه ليس أداة يستخدمها، بل شغف وطريقة للتعبير عن الذات، وامتداد لذلك الطفل الذي بدأ الرسم منذ المرحلة الابتدائية ولم يتوقف حتى اليوم.

 

من مكتب جلال الرفاعي إلى مسؤولية الرسالة

 

لم يكن الوصول إلى الكاريكاتير مصادفة عابرة، وإن لعبت المصادفات دورا في رسم الطريق. فمنذ سنواته الأولى، كان العبداللات يتابع أعمال رسامي الكاريكاتير في الصحف، ويتوقف خصوصا عند أعمال الراحل جلال الرفاعي في صحيفة الدستور.

كان يرى في رسوماته شيئا يتجاوز الخطوط والصور؛ رسالة عميقة وبسيطة في آن واحد، يتابعها الناس ويتحدثون عنها، وتتجاوز حدود المكان إلى فضاء عربي أوسع.

يتذكر كيف اصطحبه والده إلى مكتب الرفاعي، وكيف أدهشه أن يكون خلف تلك الأعمال التي تحمل كل هذا الفكر رسام يجلس في مكتبه ويعمل بهدوء. يومها لم ير أمامه مجرد فنان، بل مفكرا ورساما وكاتبا.

وفي عامي 2007 و2008، خلال مرحلة تأسيس رابطة رسامي الكاريكاتير، أتاحت له الظروف أن يلتقي الرفاعي ويتعلم منه. لم تكن الدروس مقتصرة على الرسم، بل امتدت إلى الحياة والتفكير، حتى أصبح الرفاعي بالنسبة إليه بمنزلة الأب والأخ الأكبر.

وعندما تستعيد يارا جوبان معه هذه المحطات، يصف نفسه بالمحظوظ. “محظوظا بوالد اهتم بشغفه، وبأشخاص آمنوا بموهبته وأخذوا عملهم وعمله بجدية”. لكنه يدرك أيضا أن “هذه الفرص صنعت مسؤولية”، وأن الاستمرار في المهنة بعد نحو عشرين عاما “ليس مجرد استمرار في ممارسة هواية، بل التزام تجاه الفن والمجتمع”.

 

الفكرة أهم من الريشة

 

في عالم الكاريكاتير، قد تخدعنا بساطة الرسمة. خطوط قليلة، وجه مبالغ في تفاصيله، أو مشهد يبدو عابرا، لكن خلفه فكرة قد تكون قادرة على تغيير طريقة تفكير الجمهور.

وهنا يضع العبداللات يده على جوهر المهنة: “الفكرة هي الأساس”. فالمهارة في الرسم مهمة، لكنها لا تصنع وحدها رسام كاريكاتير ناجح. ما يصنع الفارق هو الثقافة والإنسانية والوعي ومعرفة الفنان بدوره في المجتمع، فضلا عن قدرته على رؤية الموضوع من زاوية لم تخطر على بال الآخرين.

يستشهد برسامين كبار كانت أعمالهم بسيطة إلى درجة تشبه خطوط الأطفال، لكن قوة أفكارهم كانت قادرة على التأثير في الرأي العام.

وهذه القناعة لم تبق مجرد فلسفة شخصية، بل تحولت إلى تجربة تدريبية يخوضها مع الأطفال والشباب وطلبة الجامعات. فهو يدرّب الآخرين على الكاريكاتير لأنه اكتشف أن هذا الفن “يمنح صاحبه قدرة على التفكير خارج الزوايا المعتادة، ورؤية الأشياء من منظور مختلف”.

فالرسم المتكرر والتدريب والعصف الذهني ليست مجرد تمارين لتحسين الخطوط، بل وسيلة لتجديد الأفكار وتجنب الملل والتقليد.

 

حين توقف عن ملاحقة الجمهور

 

من أكثر المحطات دلالة في تجربة العبداللات، اعترافه بأنه “كان في بداياته يتأثر بما يتحدث عنه الناس”. يرى موضوعا يحظى باهتمام الجمهور، فيشعر بأنه مطالب بالرسم عنه.

لكنه اكتشف مع الوقت أن هذا الطريق قد يقود الفنان إلى مكان خاطئ؛ “فليس كل ما يتداوله الناس يستحق أن يتحول إلى موقف فني، وليس الرأي الشائع بالضرورة رأيا صحيحا”.

ويقول إنه أعاد ترتيب أرشيفه عام 2011، وبدأ من جديد، واضعا لنفسه مرجعيات أكثر علمية وفلسفية وعمقا، بدلا من أن يكون تابعا لما يريده الجمهور.

منذ ذلك الوقت، لم يعد عدد المشاهدات والمتابعين مقياسه الأساسي. ما يهمه هو المصداقية، وأن تكون رسوماته جزءا من عملية التنوير والتطوير والتنمية، وأن تسهم في مواجهة الفكر المتطرف واستغلال المناصب وكل ما يسيء إلى المجتمع.

ولعل هذا ما يفسر اهتمامه برسم قصص النجاح الإنساني، لا الاكتفاء بملاحقة الأحداث الساخنة.

ومن الأمثلة التي استوقفته مؤخرا قصة البطلة الأردنية في التايكواندو فاديا الخرفان. فقد علم، وفق ما سمعه من مدربها، أنها فقدت والدها وأخاها وأختها، لكنها واصلت التدريب رغم هذه الظروف الصعبة.

رأى في قصتها ما يتجاوز الإنجاز الرياضي؛ رأى نموذجا للقدرة على النهوض والاستمرار، ورسالة تستحق أن تتحول إلى لوحة تحتفي بالمرأة الأردنية وبالإرادة الإنسانية.

 

الكاريكاتير ليس أنفا كبيرا ونكتة مضحكة

 

في الحوار، تتوقف جوبان عند مفهوم شائع يختزل فن الكاريكاتير في تشويه الملامح أو رسم صورة مضحكة، وتمنح العبداللات فرصة لتصحيح هذه الصورة.

فالكاريكاتير، كما يراه، “أوسع بكثير من مجرد السخرية”. قد يكون رمزيا، وقد يحمل حزنا، وقد يعبر عن مأساة أو قضية سياسية واجتماعية، من دون أن يكون مضحكا على الإطلاق.

“إنه قوة ناعمة يمكن أن تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا، وأن تؤدي أدوارا ثقافية واقتصادية وسياسية”. بحسبه. 

ويستحضر العبداللات تجارب عالمية في توظيف الرسوم والشخصيات الكرتونية، مشيرا إلى أن هذا الفن يمكن أن يتحول إلى صناعة ومصدر قوة وتأثير، بل يمكن استخدامه في الحروب وتوجيه الرأي العام.

كما يستشهد بأعمال الشهيد ناجي العلي، التي يرى أنها امتلكت قوة في إيصال الرسائل ومواجهة الاحتلال وتعبئة الرأي العام، تفوق في تأثيرها أحيانا قوة السلاح.

ومن هنا تأتي دعوته إلى إدخال فن الكاريكاتير في المناهج التعليمية، لا بوصفه نشاطا ترفيهيا، بل باعتباره وسيلة لتنمية الخيال والإبداع والوعي البصري والقدرة على التفكير النقدي.

ويستعيد في هذا السياق تجربة شخصية مؤلمة، حين تعرض لانتقاد من شخص درسه، بسبب إحدى رسوماته خلال مرحلة التعليم، وكادت المسألة أن تصل إلى فصله، الأمر الذي دفعه إلى التوقف عن رسم الكاريكاتير لسنوات.

لم تكن المشكلة في تلك الحادثة وحدها، بل في “غياب الوعي بأهمية هذا الفن وقدرته على احتضان المواهب”… فبدلا من أن تكون الرسمة فرصة لاكتشاف موهبة وتنميتها، تحولت إلى سبب لإحباط صاحبها.

 

“عوض أبو شفة”.. شخصية من الشارع الأردني

 

إذا كان الكاريكاتير هو مساحة عمر العبداللات للتعبير عن القضايا والأفكار، فإن “عوض أبو شفة” هو أحد أبرز وجوهه الفنية التي تجاوزت حدود الورق إلى الحياة اليومية.

لم تولد الشخصية من شخص واحد بعينه، بل من خليط شخصيات ومواقف التقطها العبداللات من المجتمع.

بدأت الحكاية خلال جلسة عصف ذهني مع صديقه فهد، حين كانا يبحثان عن مشروع شبابي يقدم شخصيات شعبية قريبة من الشارع، في زمن سبقت فيه الفكرة انتشار يوتيوب وفيسبوك بالشكل الذي نعرفه اليوم.

ومن تلك الجلسة ظهرت فكرة عوض أبو شفة، الشخصية التي جمعت ملامح وطريقة تفكير

وضحكات وحوارات أشخاص متعددين قابلهم الفنان في حياته. 

لكن سر الشخصية، وفق العبداللات، لا يكمن في شكلها فقط، بل في طريقة تفكيرها، وهي التي تمنحها تميزها وقابليتها للانتقال إلى سياقات مختلفة.

ومع مرور الوقت، لم يعد عوض مجرد شخصية كرتونية للترفيه، بل أصبح مشروعا يمكن توظيفه في الألعاب والمنصات المختلفة.

ويشير العبداللات إلى إطلاق لعبة “ملك التوصيل 2” بالتعاون مع شركة طماطم، والتي كان عدد المشتركين فيها، وقت المقابلة، يقترب من ربع مليون.

ويحرص هنا على التأكيد أن “نجاح الشخصية لم يكن جهدا فرديا”، بل نتيجة عمل جماعي وإيمان فريق كامل بالمشروع، موجها التحية إلى صديقه وزميله حسام حمو وفريق شركة طماطم.

إن انتقال شخصية كرتونية محلية إلى عالم الألعاب الرقمية يكشف عن إمكانات تتجاوز حدود الرسم التقليدي، ويفتح الباب أمام تحويل الإبداع الأردني إلى منتجات ثقافية وترفيهية قابلة للانتشار.

 

جائزة محمود كحيل.. فرحة مؤجلة بالتحقق

 

بعد سنوات من العمل والمشاركات والجوائز التي حصل عليها من دول آسيوية وأوروبية وأميركية، جاءت جائزة محمود كحيل للكاريكاتير عام 2023 محطة خاصة في مسيرة العبداللات.

“لم يكن الفوز سهلا”، فقد شارك في المسابقة أربع سنوات متتالية من دون أن يحالفه الحظ.

وعندما وصلته رسالة الفوز، لم يصدق ما قرأه، فطلب من زوجته أن تقرأ البريد الإلكتروني للتأكد من النتيجة.

يضحك وهو يروي أنه لم يرد أن يبالغ في فرحته قبل التأكد، مستعيدا تجربة طريفة من أيام التوجيهي، حين اعتقد أنه لم ينجح في الفصل الأول، قبل أن تظهر نتيجة الفصل الثاني بنجاحه، وتكون فرحة والده كبيرة إلى درجة أن دمعت عيناه.

كان الفوز بالجائزة “تكريما مهنيا وأدبيا مهما”، خصوصا أن الجائزة ترتبط بالجامعة الأميركية في بيروت، وأنها جاءت بعد سنوات من المحاولة والعمل.

وفي المقابل، لا يفصل العبداللات الجوائز عن قيمة العلاقات الإنسانية التي بناها خلال مسيرته، فصداقاته مع الفنانين والزملاء والأساتذة تمثل بالنسبة إليه جوائز لا تقل أهمية عن التكريمات الرسمية.

 

الذكاء الاصطناعي.. أداة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الفنان

 

وقبل نهاية اللقاء، تفتح جوبان ملفا لا يكاد يغيب عن أي نقاش مهني في العصر الحالي: الذكاء الاصطناعي، وهل يشكل تهديدا لرسامي الكاريكاتير؟

لا يتخذ العبداللات موقفا رافضا للتكنولوجيا، بل يراها سلاحا ذا حدين، مثل اختراعات كثيرة سبقتها، من الراديو والتلفزيون إلى الكمبيوتر.

ويكشف أنه “يستخدم الذكاء الاصطناعي في العصف الذهني وتوليد الأفكار والمساعدة في التواصل”، لكنه يعترض على استخدامه وسيلة للاستغناء عن الفنانين.

ويحذر من أن بعض الصحف والمؤسسات الإعلامية بدأت تستبدل رسامي الكاريكاتير برسومات مولدة بالذكاء الاصطناعي، معتبرا أن الضرر لا يقتصر على العاملين في هذا القطاع، بل يمتد إلى الهوية الثقافية نفسها.

فالشخصيات الكرتونية والفنانون المحليون يحملون في أعمالهم تفاصيل مرتبطة بالمكان وثقافته وخصوصيته، وإذا لم تحظَ هذه التجارب بالدعم، فإن جزءا من الهوية المحلية مهدد بالاندثار تدريجيا.

لكن ما الذي يظل في يد الإنسان ولا تستطيع الآلة أن تعوضه؟

يجيب العبداللات بأن الفلسفة والعمق والإنسانية هي أبرز ما يميز الفنان. فالرسام لا يعيش خلف الشاشة فقط؛ إنه ينزل إلى الشارع، ويختلط بالناس، ويدرّب الأطفال وطلبة الجامعات، ويتفاعل مع أصحاب القرار، ويستمع إلى الأفكار والتجارب المختلفة.

هذه المساحات الإنسانية، بما تحمله من مشاعر وتجارب وتناقضات، تمنح الفنان قدرة على رؤية العالم من زوايا أوسع من مجرد إنتاج صورة.

لذلك، لا يرى أن الحل في رفض الذكاء الاصطناعي، بل في “تطوير الأدوات ومواكبة التحولات، من دون السماح للتكنولوجيا بأن تتحول إلى وسيلة لإقصاء الإنسان أو تدمير قطاع إبداعي كامل”.

 

الطفل الذي لم يتوقف عن الرسم

 

في ختام اللقاء، تعود الحكاية إلى بدايتها؛ إلى ذلك الطفل الذي كانت ريشته تتحدث عنه قبل أن يتحدث هو.

عشرون عاما وأكثر من العمل لم تفصل عمر العبداللات عن شغفه الأول، لكنها وسّعت معنى الرسم لديه. لم يعد الأمر متعلقا بموهبة في تحويل الخطوط إلى صور، بل بمسؤولية تجاه المجتمع، وبالقدرة على طرح الأسئلة وتغيير زوايا النظر والاحتفاء بالإنسان.

من جلال الرفاعي الذي تعلم منه، إلى عوض أبو شفة الذي خرج من تفاصيل الشارع، ومن جائزة محمود كحيل إلى قلقه على مستقبل الفنان في زمن الذكاء الاصطناعي، تتشكل تجربة فنية تؤمن بأن قوة الرسمة لا تقاس بمدى إضحاكها، ولا بعدد مشاهداتها، بل بما تتركه من أثر في عقل من يراها.

ولعل أجمل ما في حكاية العبداللات أن الطفل الذي اكتشف الرسم مبكرا، ولم يكن يتحدث في الصف، ما زال حاضرا في الفنان الذي يتمنى اليوم أن يرسم مدى الحياة.

فبعض المواهب لا تكون مجرد بداية لمهنة، بل تصبح طريقة كاملة لفهم العالم والتعبير عنه.

 

 

×