اتفاقيات التجارة والصناعة المحلية

أبرزت أزمة كورونا وتداعياتها الاقتصادية أهمية القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها الصناعة المحلية والزراعة، وبرزت أهمية وجود قاعدة إنتاجية صلبة تساهم بتحقيق درجة مقبولة ومعقولة من الاكتفاء الذاتي وإيجاد فرص العمل والارتقاء على سلم تحسين وتعزيز الإنتاجية والكفاءة.

وهذه هي قصة الكثير من الدول التي أصبحت تصنف على انها دول صناعية، وفي الادبيات الاقتصادية والانماط المتبعة لقيت نظريات إحلال المستوردات من خلال تعزيز الصناعات الوطنية صدى في الكثير من الدول، وأصبحت الدول تضع الحواجز والعراقيل امام المستوردات على أمل تحفيز الصناعات المحلية ومنحها الفرصة لكي تنمو في أجواء من “الرعاية والحماية” ، وهكذا انتشرت تلك السياسات على نحو واسع في العديد من الدول النامية، وكان المنطق الاقتصادي الذي يحكمها سليما من الناحية النظرية، وعند التطبيق نجحت بعض الدول بشكل لافت مثل كوريا الجنوبية وماليزيا، وما عرف بالنمور الآسيوية ، وفشل أيضا في دول عديدة في افريقيا وأميركا اللاتينية ومعظم الدول العربية. فالخطأ لم يكن في المبدأ ولكن في التطبيق.

بعد ذلك اجتاحت العالم قيم تحرير الأسواق والتنافس الحر بين كافة الدول، وكانت هذه هي المرجعية الفكرية لمعظم برامج الإصلاح التي قادها صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية متعددة الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية، وباتت التجارة الحرة هي العنوان الأبرز لكافة الاتفاقيات المنظمة للعلاقات التجارية بين الدول.

على هذا الأساس انخرط الأردن في العديد من الترتيبات التجارية التي احالت الأردن عمليا الى ما يمكن وصفه بمنطقة تجارة حرة، وهذا لا ينفي ان الصناعات الوطنية خلال العقود التي منحت لها في ظل الحماية، لم تستفد بالكامل، فبرزت صناعات في مجال الأدوية والكيماويات وغيرها كقصص نجاح، في حين فشلت العديد من الصناعات من تطوير قدراتها التنافسية والاستمرار في الأسواق.

في ظل هذه العجالة لا يمكن تقييم كل السياسات التي اتبعت ومن المسؤول عن الاختلالات التراكمية، لكن هناك خلاصتان لا بد من التركيز عليهما، الأولى ان الصناعات المحلية تستحق ان تمنح فرصة جديدة لتستعيد زخمها على أسس واضحة ومن خلال برامج شبيهة بتلك التي منحت في العديد من الدول ولفترات زمنية محددة ووفقا لمعايير أداء تضمن ان الفرص التي ستمنح ستستغل لغايات تحفيز التنافسية والتشغيل.

والخلاصة الثانية ترتبط بطبيعة اتفاقيات التجارة القائمة، فوفقا لآخر تقارير منتدى الاستراتيجيات الأردني، فإن حصيلة الجمارك على المستوردات الأردنية خلال الفترة من 2016-2018 تبلغ حوالي 2.1 في المائة بحصيلة بلغت في العام 2019 حوالي 277 مليون دينار مقابل مستوردات بلغت 13.7 مليار دينار، وإذا ما تم استثناء بنود المركبات والتبغ والكحول ستنخفض هذه النسبة الى ما دون 2 في المائة ، وكل هذا يعني أن الاتفاقيات والاعفاءات التي منحت عبر عقود من الزمن احالت الأردن تقريبا الى منطقة حرة، تصعب من إمكانية المنافسة مع دول أكبر حجما تمنح إعفاءات مالية وحوافز لمدخلات الإنتاج.

تستحق الصناعة المحلية إعادة النظر في السياسات التي تحكم القطاع، تحديد الفرص المتاحة والتي يمكن التوسع فيها، وصياغة برامج للتمكين، ولعل هذا هو جوهر الرسالة الضمنية للزيارات الملكية لبعض المنشآت الصناعية التي اثبتت الأزمة الأخيرة انها جزء من أسس الاستقرار والأمن الوطني الذي يجب الحفاظ عليه وبحث سبل تطويره.

 




آخر الأخبار

حول العالم