الاصطياد السياسي في الماء العكر 2

  • 17 / 10 / 2020 - 8:54 م
  • آخر تحديث: 17 / 10 / 2020 - 8:54 م
  • كتبوا

 

عطفاً على ما اسلفت في الجزء الأول من مقالي، أضيف :

أولاً: بعد أن خلق الله آدم، علمه الأسماء كلها، وعندما انزل على نبيه الكريم قرآناً أكد فيه أنه سبحانه وتعالى علّم الانسان ما لم يعلم، فكان الله جل وعلا أول وخير معلمٍ للبشرية، وأمر انبيائه ليكونوا معلمين لما أنزل اليهم من ربهم.

وتستمر هذه التراتبية في بني الانسان من القائد الملهم المعلم وصولاً الى من يتنطع الى هذه المهنة الجليلة من نساء ورجال المجتمع، ممن ارتضوا مشقة وقدسية مهنة بناء أجيال المستقبل فنثق بهم يربون ويعلمون أبنائنا ليكونوا جزءاً صالحاً من المجتمع تقع عليهم مهمة بناء الوطن والحفاظ على تطوره وازدهاره.

واذا كنت أعتبر أن المعلم هو أحد أهم أضلاع مثلث تكوين قاعدة المجتمع، بجانب الجندي والعامل – صانعاً او مزارعاً – فإن ذلك يجعلني على قناعة بأن لمهنة التعليم قدسية تتطلب من الجميع المحافظة عليها ، خاصة أولي الامر، بحيث يكون المعلم مرتاحاً نفسياً ومالياً، فيسهم في تحقيق التطوير والتغيير، من خلال بناء وصقل أدواته: الانسان المتعلم الموقن بمعنى وغايات وجوده وانتمائه لوطنه وللمجتمع الانساني بشكلٍ عام.

إن حديثي هذا لا يغير من قناعتي الشخصية بأن انشاء نقابة للمعلمين كان خطأ ربما يدخلها -تحت ظروفٍ معينة - في دائرة المزايدات الحزبية والسياسية، وربما حتى المصالح الضيقة لبعض المجموعات أو الافراد، ومع احترامي لما وصل اليه التشريع بإنشاء النقابة، فتبقى قناعتي أن دور نقابة المعلمين يجب ان تقوم به الحكومة كلها، والمجتمع بأسره. 

وهذا يعني القناعة أنه لا بد أن يتحقق للمعلم كافة أسباب الراحة في عيشه، وبما هو أكثر مما تطالب به النقابة حالياً في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية – وهي مطالب عادلة في توقيتٍ خاطئ –مما مثّل مماحكة قد تدخلها في الفخ الذي وقعت فيه بعض النقابات أخرى، فتترك خدمة المهنة، لتقتنص الدور السياسي الذي يفترض أن يكون مناطاً بالسلطة التشريعية أو بالأحزاب، وربما لا أتجاوز إذا قلت أن أحد الاسباب العديدة لضعف العمل الحزبي في الاردن هو استمرار بعض النقابات بأخذ دور الأحزاب، كما كان الوضع عليه قبل عام 1989.

إن محاولة الاصطياد السياسي من خلال ركوب موجة الدفاع عن مصلحة المعلمين هي محاولة مكشوفة، فالمواطن الأردني يعلم أن أكثر من 90% من الأردنيين له قريب أو قريبة من الدرجة الأولى أو الثانية في مهنة التعليم. ولكن الأردني يعلم في نفس الوقت صعوبة الظروف المفاجئة التي ألَمت بالأردن والعالم منذ الربع الأول من العام الحالي، وأن هذه الحالة الاستثنائية، كانت تتطلب تعاضد الجميع، وأذا كانت العلاوات الموعودة للمعلمين توقفت بفعل ظروفٍ طارئة، فالجميع يعلم أنه ناله جزء من صعوبة هذه الظروف وهذه الجائحة التي لم تترك منحىً من حياتنا إلا وأثرت به، خاصة الوضع الاقتصادي.

وما زالت قناعتي أنه عندما ( تزول هذه الشدّة ) فإن إنصاف المعلم، ورفع سويته مالياً وتدريباً وتطويراً سيكون توجيهاً ملكياً، وأولوية حكومية، لأننا أولاً وأخيراً، أهم من نأتمنه على ابنائنا واحفادنا هو المعلم.

ثانياً: وما زالت وسائل التواصل الاجتماعي فريسة لمن يريد استغلالها من قبل الموتورين، وبعض الغافلين، وفي بعض الاحيان من قبل من يفعل ذلك عن قصدٍ أو جهلٍ ، فيؤذي مصالح وطننا الاردني العزيز .

ولأن ( المسترئسين، والمستوزرين) في الأردن، حدّث عن أعدادهم، ولا حرج، فقد وجدوا من أدواتهم ووسائل التواصل الاجتماعي تحقيق سابقة وهي بدء الطعن في حكومة جديدة حتى قبل تشكيلها واعلان اسماء الذوات أعضائها. 

الموضوعية، وكما تفعل بعض مراكز الأبحاث وقياسات الرأي العام، وفي أغلب الدول، تجري أول تقييم بعد مرور مئة يوم على عمل حكومة ما، ثم يتم التقييم الثاني عادة بعد مرور عام على تشكيل تلك الحكومة.

إن التمادي في النقد السلبي المبكر للحكومات وأعضائها بات ظاهرة أردنية سلبية بامتياز، وهذا سببه حالة ثقافية آن لها أن تتغير في اطار معادلة تطويرٍ ثقافيٍ شامل دعا إليه جلالة الملك، وكلنا نتمنى أن ننجزه في إطار ثورة بيضاء تعليمية ثقافية نستطيع من خلال نتائجها أن نحضّر جيل الغد ليواجه العالم بقدرات تسعفه في تحقيق النهضة التي نصبو اليها.

ثالثاً:  الرأي العام الأردني كان دائماً على جانبٍ كبيرٍ من الذكاء، يجامل هنا وهناك ، ولكنه يعرف الحقيقة حينما يمحّص بما بين يدية، ويعلم طبيعة التحديات وأبعادها، اليوم وغداً وبعد غد ! 

الاستحقاق الدستوري في الانتخابات النيابية سيأتي قريبا، وتحاول بعض الاقلام أن تقنع الرأي العام انه استحقاق لا فائدة منه، وانه لا يغير من الحال شيئا !!!

إذا كان الناخب لا يستطيع إن يحدث التغيير، فمن هو الذي يمكنه ذلك؟! إن أجمل صورة واقعية وموضوعية وعلمية هي الاشارة إلى أن مقاطعة الانتخابات هي في الحقيقة ممارسة للانتخاب بطريقة سلبية، فأنت إذا قاطعت الانتخابات فإنك في نفس الوقت تكون قد مارست دورك دون أن تدري في السماح بانتخاب شخصٍ لم تكن ترغب برؤيته تحت قبة البرلمان. 

لا عذر لأي منا، ولا يحق لأحد أن ينتقد نتائج الانتخابات، لأننا نحن من ينتخبهم بطريقة مباشرة، عند ذهابنا إلى صناديق الاقتراع، أو بطريقة غير مباشرة، عندما نقاطع الانتخابات فنترك حق من نعتبره الأفضل لغيره.

رابعاً: أتساءل: هل التطورات الإقليمية ، سواء ما ارتبط منها بالقضية الفلسطينية الأم، والتعامل معها عربياً واقليمياً ودولياً، إضافة إلى التطورات بالقرب منا في شرق المتوسط، وداخل دول الجوار ، وامتداداً لما يحصل في اوروبا، ووصولاً إلى الانتخابات الأمريكية وابعاد نتائجها ، هل كل هذا يجب أن يمثل مادة دسمة لمن يريد ان يصطاد في الماء العكر، أم أن ذلك يتطلب على رأي صديقنا رئيس الوزراء - المزيد من التشبيك الايجابي - وأن يكون هدف هذا التشبيك وتلاقح الأفكار هو المصلحة الوطنية الاردنية، واستمرار المحافظة على ما استطاعت القيادة توفيره لنا خلال العقد الماضي من ابتعاد عن الشرر المتطاير، وعن سياسات هدم الذات.

نعترف باختلاف مناهج التفكير السياسي، ولكن الموضوعية، وأبسط مبادئ الديمقراطية، وحساسية الوضع الإقليمي والدولي تتطلب درجة عالية من الذكاء لتحقيق الأفضل لشعبنا.

احتفالاتنا العام القادم بمئويتنا الثانية تزداد بهاءً عندما يكون قرارنا هو الابتعاد نهائياً عن سلبياتنا، والبناء وتعظيم ايجابياتنا، وقرارات اليوم ستحاكمها وتحكم عليها أجيال المستقبل.

 




آخر الأخبار

حول العالم