البطل ...

جاء (جورج وسوف ) إلى الأردن , واستقبل كما زعيم ومحرر ...الفيديو الذي تم تداوله على وسائل التواصل الإجتماعي، يظهر مجموعة من المرافقين والحرس والعشرات من المعجبين يتهافتون على (سلطان الطرب) ..ولشدة الزحام احتاج البطل المغوار إلى ما يقارب (20 (دقيقة حتى يدخل من باب الفندق .

وقد تعالت الهتافات وأحدهم صرخ قائلا :- (أبو وديع خذ من عمري) ..وتم الإعتداء على معجب أعاق مسير المغوار، أثناء دخوله الفندق ...وقد أحصيت (17 (كاميرا تلفزيونية وعشرات المصورين , وعشرات الأضواء ...وما لايقل عن (15( مرافقا لحماية البطل , يسمونهم (بودي جارد) ...

(بوب مارلي ) هو فنان إنجليزي من أم (جامايكية) , أسس موسيقى إسمها (الريغيه) والسبب في شهرته , ليست الأغاني التي غناها , وإنما محاربته للعنصرية ..فقد غنى للسود في فترة كانت أوروبا تعاني من العنصرية , وأمريكا للتو أقرت حركة الحقوق المدنية ومازال البعض يعارض إقرارها...

وذات يوم في مدينة ليدز , دخلت على متجر وإذا (بالهيرالد تريبون) تصدر ملحقا خاصا بمناسبة الذكرى ال(25 (حسب ما أذكر
لوفاة هذا الفنان ...قلبته على مدار يوم كامل , وذهلت لحجم التأثير الواسع له والأغنيات التي دعت السود للوقوف ومناهضة العنصرية
..وكيف أصيب بالسرطان وأصر مع ذلك على الغناء وكانت أغلب حفلاته يذهب ريعها , إما لدعم السود ..أو لحماية الأطفال , أو للمعاقين .

نحن لدينا الصورة مختلفة , فهم يأتون لبلادنا ..من دون رسالة , ويجنون (150 (الف دولار لقاء حفلة واحدة , ومن ثم يعودون ....الرسالة التي يحملونها فقط هي المال فالمهم كم سيجني , وكأن بلدنا محطة عبور ..لكل شقيق عربي , أغلقت أمامه المطاعم التي يرتادها من اجل الغناء , فأحب أن يعوض عن نقصان المردود ...بإقامة حفلة في عمان , أو الإستثمار في إذاعة تمارس الغنج الصباحي ..وفي نهاية العام تجني (مليون دولار) من مردود الإعلانات ...

أين الحكومة عن مشاهد مثل هذه , في بلد ما زال الألوف من أبنائه , يقفون على بوابات وزراة التنمية لأجل المعونة , والألوف يأتون من القرى البعيدة إلى المدينة الطبية , لأجل موعد في الخدمات الطبية , عند عيادة تفتيت الحصى ...أين الحكومة عن مشاهد (المياصة) ..عن مجتمع يتأهب لرفع الدعم عن الخبز , وقد يؤدي هذا القرار إلى اهتزاز خطير ..إن لم نقنع الناس بضروراته والبدائل المتوفرة ..ونترك بالمقابل فئة عابثة , همها إحضار (سلطان الطرب) لأجل حفلة ..

هل هذا هو الأردن ؟ هل هذه هي شيمنا وأخلاقنا ورجولتنا وعزة نفسنا ..هل هذا هو جيل الشباب الذي تغير همه , من الإنتاج والعمل
وتحقيق الذات ..إلى الهتاف لجورج وسوف على باب فندق والبكاء من أجل صورة معه ؟

لو أنه مثل (بوب مارلي ) ..مثل (الشيخ إمام) مثل ( ديميس روسز) الذي غنى بكل اللغات ..وظل وفيا للأسكندرية التي عاش صباه فيها ,
ووقفت اليونان كلها لوداعه حين مات ...لقلنا من حق الشباب أن يهتفوا للبطل , لكنه في النهاية فنان ...المشاكل التي أنتجها ونشرتها
الصحافة , أضعاف ما غنى ...ويتقاطر جيل النشامى لاستقباله على باب المريديان ...

الحكومات ...مؤتمنة على الوجدان , ونحن أحوج ما نكون , لقانون يحمي الذائقة الوطنية ويحصن وجدان الناس من هذه التفاهات , فالبلد
تتوق لمن يرفع معنويات الناس وليست بحاجة لثمل يغني على مسارحها ...ونقابة الفنانين هي الاخرى عليها مسؤولية ووطنية وأخلاقية ، فهي تمنح التصاريح وتستطيع أن تحجبها ..وكان الأولى بها أن تمنع هذه الإرهاصات , فالممثل الأردني يسافر إلى رم والأغوار من أجل أن يصور مسلسلا بدويا , وقد يمضي شهرا كاملا في الغبار وفي النهاية يحصل على (3000 (دينار , ويأتي فنان انتهى في بلاده ويغني ساعة واحدة ...مع كل شروط الثمالة التي يحتاجها الهز ..ويجني (150 (الف دولار ومن ثم يغادر البلد ...

لقد كسر وجداني هذا الفيديو , حطم الصبر في داخلي , ولولا ذوق القاريء وشروط النشر لقلت ما هو أقسى من ذلك ...ولكنه وطننا , وتلك شوارعنا ...وهمم الشباب مسؤوليتنا جميعا ...وتلك المظاهر يجب أن تزول ..نحن لسنا بنكا يأتون لأجل أخذ الدولارات منه , ونحن لسنا بلد متخلفا في الفن فما أنتجناه أكبر بكثير من ثمالة هذا أو تخبط ذاك ...

لتسمعني نقابة الفنانين مرة , وتوقف ما يحدث فهو خطيئة بحقها قبل أن يكون خطيئة بحق المجتمع ...حمانا االله. (الرأي)

آخر الأخبار

حول العالم