المحافظون عائدون بعد الرزاز

الھجمة الكبیرة في وسائل التواصل الاجتماعي ضد رئیس الوزراء بسبب التعیینات الأخیرة، لیست غریبة، أبدا، لأن السبب فیھا یعود الى ان الغالبیة العظمى من المواطنین الذین راھنوا سابقا على الرئیس الرزاز باعتباره مختلفا، تم خذلانھم فعلیا.

كل الأردن یعرف ان التعیینات في الأردن تجري بذات الطریقة، أساسا، وكل رؤساء الحكومات لا یعرفون الشفافیة، ولا معاییر لدیھم في اغلب الحالات، من طریقة تعیین الوزراء عبر التوصیات والعلاقات والواسطات ، مرورا بتسھیل الطریق لھذا المرشح او ذاك لیصبح نائبا، وصولا الى تعیین السفراء، او المدراء، وغیرھم.

ما من كرسي في الأردن، الا تحتھ واسطة، وفي حالات محددة إذا تنافس شخصان یمتلكان نفس المؤھلات، والخبرات، فإن الحسم یكون للعلاقات الشخصیة، او التدخلات، والتوصیات.

الأردنیون یعرفون القصة، بل اننا نمارسھا أیضا، في حیاتنا، وما من واحد فینا الا وتورط في حالة شبیھة، وان اقل قدرا، فأنت إذا اردت نقل شقیقك من مدرسة تبحث عن متنفذ لیساعدك، واذا اردت تخفیض تقدیرات ضریبة الدخل، تبحث عن واسطة، واذا اردت ان یخرج احدھم من السجن بعفو خاص، تبحث عن نائب یحرج الوزیر المختص، واذا اردت ان تصبح رئیسا لجامعة علیك مع كفاءتك ان تبحث عن رافعة لرفعك وإنزالك على موقعك.

ھذا یعني ان الكل یمارس ذات الطریقة، بمن فیھم كل رؤساء الحكومات في الأردن، الذین أتحدى أغلبھم ان یثبتوا ان كل تعییناتھم كانت فقط على أساس الكفاءة.

بما ان الكل یدرك ان الحسم لیس للكفاءة، ولا عدالة، ولا شفافیة، وان كل ھذه شعارات للاستھلاك الیومي، فلماذا غضبوا اذا، بطریقة مختلفة، إزاء تورط الحكومة الحالیة بممارسات تورطت فیھا حكومات سابقة، ویتورط فیھا الافراد، أیضا؟.

السبب كما اشرت سابقا یعود الى الشعور بالخذلان، لان كثرة راھنت على رئیس الحكومة، واعتقدت انھ سوف یكون مختلفا امام ما یقولھ ویتبناه، وامام ارشیفھ السابق قبل ان یصبح رئیسا للحكومة، وانھ لن یقبل ان یوقع على تعیینات بھذه الطریقة، مع الإقرار ھنا، ان بعض الذین تم تعیینھم ھم كفاءات مھمة، لكن صلتھم بالنواب، جلبت شبھة القربى لھذه التعیینات.

رسم رئیس الحكومة صورتھ في البدایات وفقا لطریقة محددة بنى فیھا شعبیتھ تدریجیا، وكان النموذج الأكثر حساسیة، كون عمان لا ترید العودة الى وصفة الرؤساء المحافظین، ولا ترید من جدید وصفة الرؤساء اللیبرالیین، ووجدت في الرزاز شخصیة وسطى تمزج المدرستین معا، وھذا ما ظھر بھ الرزاز مرارا، من حیث انحیازاتھ في صناعة الصورة للناس وللفقراء وغیرھم، ومن حیث فھمھ أیضا لأھمیة التطویر والعصرنة، وصاغ طریقا بین كل ھذه
الاتجاھات، مركزا في صورتھ على نزاھتھ الشخصیة، ونظافة یده.

لكن لسبب او آخر، سرعان ما لحقت الحكومة بسابقاتھا، سواء بسبب أخطاء الرئیس، او خضوعھ للضغوطات، او حتى اضطراره للتسویات السیاسیة داخل البرلمان او خارجھ، او غیرھا من الأمور، فظھر كغیره، وكل العوامل السابقة، مع الأخطاء الكبرى، أدت الى ھذه الحالة، التي یمكن وصفھا بالخذلان العام.

انا لا ادافع عن رئیس الحكومة، ولا ابرر لھ، لكنني أقول بصراحة، ان حكومتھ وبسبب تعیین اشقاء نواب، حتى لو كانوا كفاءات، دخلت المرحلة الأصعب ھذه الأیام، اذ فقدت الغطاء الشعبي، فیما الحمایة العلیا باتت مشروطة ولیس ادل على ذلك من التوجیھات التي تمت بشأن التعیینات الأخیرة.

قد یخسر الرزاز شعبیتھ، وقد یخرج یوما ما من موقعھ، لكن الضرر الأكبر لم یكن شخصیا، بل تنزل على النموذج، بحیث لا یكون بعده أي حل الا العودة للمحافظین فقط، وھذا ما تحاول الدولة تجنبھ حتى الآن، وتحاول قوى أخرى جعلھ الحل الوحید، مع اقرارنا ھنا ان سجل المحافظین لا یختلف كثیرا عن غیرھم، لكنھا ترسیمات القوى في الأردن وصراعھا الذي لا ینتھي.

آخر الأخبار

حول العالم