حديث الضرورة قبل احتفالية مئوية التكوين

  • 17 / 11 / 2020 - 1:24 م
  • آخر تحديث: 17 / 11 / 2020 - 2:24 م
  • كتبوا

بعدما عدت من سفر مشاركتي في الانتخابات النيابية ، كنت أوجه بوصلتي كمراقب سياسي نحو محيطنا الإقليمي وهدوءه النسبي (وإذا كان ما قبلُ عاصفة ام لا) ، ونحو الدائرة الأبعد حيث مخاض الانتخابات الامريكية التي - موضوعياً- تؤثر بشكل أو بآخر على معظم دول العالم، وفجأة اضطررت لإعادة توجيه البوصلة الى داخل الوطن والسؤال الأكبر أمام ناظري: على أي شاكلة سيحتفل شعبنا العام القادم بمئوية إنشاء دولتنا (بذرة النهج القومي ) المملكة الاردنية الهاشمية.

أعتذر من معالي الصديق الذي يكرر نصيحة : أن لا نقصّر أكتافنا، وبالضرورة يعني ان لا نطلق النار على أقدامنا، ففي لحظة ما يا صديقي ، لا بد من مواجهة مرآة الحقيقة ، ونحن ندرك تماماً أن نقد الذات الموضوعي الصادق ، قد يكون في بعض الأحيان أكثر ايلاماً من جلد الذات.

ما حدث وشاهدناه جميعاً من ردود أفعال في نهاية يوم الانتخابات النيابية ، لا أقول انه شعرةٌ قصمت ظهر البعير ، ولكني اعتبره من وجهة نظري صدمةً تجبرنا على حديث الضرورة ، ومحاسبة انفسنا كلٌ في موقعه ودوره وبصدق  وقبل ان نضع الموازين السياسية او الاقتصادية الكبيرة ، نضع الميزان الأبسط في نموذج السؤال الأسهل : أي أردن أريد أن ينعم في العيش على أرضه ابنائي وأحفادي ويستمتعون في الاعتزاز به والاستمرار في تطويره مع بدء المئوية الثانية.

الكل يعلم، وحتى بعض المراقبين من الخارج من غير بني جلدتنا اننا شعب كريم وطيب ، ولهذا كان من الواجب أن لا نسمح لبعض السلبيات أن يعلو شأنها وتقترب من حالة طمس ايجابياتنا - لا سمح الله - ، لذلك نحتاج الى صدمة الصحوة، كي نلج مبكراً الى نموذج الدولة الحديثة فعلاً التي كانت طموح قيادتنا وأجدادنا منذ بداية التأسيس وحتى الآن، ونحن ندرك تماماً اننا - وفي هذا التوقيت من تاريخنا -لا نملك رفاهية التغاضي عن العيوب والأخطاء ، بل ومطلوب الإسراع في المعالجة وإعادة مركبنا الى مساره الصحيح، والمضي قدمًا نحو أردن الغد الذي كان دوماً حلمنا وقدرنا.

العشيرة فخرٌ وجزء من إرث ديني ايضاً، ولطالما كانت تخاطبنا قيادتنا بتعبير : الأهل والعشيرة ، ولقد آن الأوان لتنقية مفهوم العشيرة مما اعتراها من سلبيات دخيلة ، تشوه كل يوم ارثها التاريخي الايجابي ، فالعشيرة ليست مظلة لمن ينتهك القوانين، والمفروض ان لديها القدرة ان تلج نموذج الدولة الحديثة وتساهم في البناء ، والفكر العشائري يمتلك الشجاعة والقناعة بالاعتراف أن الاردن الحضاري تحكمه مؤسسات دستورية كان له شرف المشاركة في نشوئها وحمايتها منذ بدء التكوين، وقوانين انتجتها المؤسسات المعنية يحترمها الجميع ، ويدرك أن نموذج الدولة المتطورة المتفاعل مع دول العالم له متطلبات ، تبدأ من شرط الأساس ، وهو القدرة على التفاعل الايجابي داخل الوطن وبين مكوناته ، وتحقيق النهضة الفعلية ،وبدايتها تغيير حالتنا الذهنية وتطوير تعليمنا وثقافتنا وتقديرنا لقيمة ومفهوم وقدسية العمل ومبدأ سيادة القانون على الجميع سواسيةً.

وعندما ندرك أن الاردن ليس مجموعة عشائر متنافرة، ولا واجهات عشائرية تتضارب مع مؤسسات الدولة ومشاريع التطوير المطلوبة للصالح العام، وعندما ندرك أن حيازة السلاح خارج اطار القانون ليس شجاعةً، وإطلاق النار في الاحتفالات لا يليق بمن نال قسطاً من التعليم ويدرك انه بالاضافة الى خطر ذلك على حياة الانسان، فإنه تعبير غير حضاري عن الفرح ، ودرس سلبي يقدمه للاجيال الشابة وتبذير مالي طعام وكسوة ابنائه احق به، عند ذلك نقترب من المسار الصحيح.

وعندما نكون أذكى ممن يريد لنا ان ندخل في صراع مجتمعي مآله واهدافه السياسية معروفة خاصة في هذا التوقيت ، أو ان نصبح محطة استقبال لرسائل معارضة سيئة النية والأهداف والارتباطات، أو معارضة حسنة النية لكن جاهلة التوقيت والحسابات والاسلوب. وعندما ندرك أن انعدام الثقة بيننا كافراد او مجموعات تحت اي مسمى، والاستمرار بالتشكيك بالحكومات ووضع العصي في دواليب حركتها منذ بداية عملها، وعندما نصحو لنواجه حقيقة ان الاعتداء على هيبة الدولة لا يعطّل عملها فقط، وانما سيفضي الى أحد أمرين، إما ان تستخدم الدولة العصا الغليظة، وهذا لم يكن في يومٍ من الايام من شيم نظامنا الهاشمي، او أن تعم الفوضى، والمواطن الصالح يدرك انه في الحالتين، هنالك أسنان يتم شحذها خارج الوطن، وتستهدفنا جاهلة بكم نحن عصيين على المضغ والهضم والإلغاء. عندما نعي كل ذلك ويجب ان نعيه، نكون أقرب الى النهوض من كبوة يجب ان لا تطول.

لقد آن الأوان أن نعترف بكل سلبياتنا ونتخلص منها سريعاً، فعامل الزمن في هذا العصر مهمٌ جداً، ونحن بحاجة بداية الى إعادة الثقة بيننا كافراد وجماعات داخل وطننا، والثقة بمؤسساتنا الوطنية وبانها قادرة على تصويب اخطاءها وتمتلك الشجاعة لتحقيق ذلك عندما تمتلك ثقة المواطن بها، فثقة المواطن مع ثقة جلالة الملك، هو ما يجعل اي حكومة قادرة على تقديم الافضل للشعب.

وقبل كل شيء ، على كل اردني أن يتذكر دائماً ، أن الأردن ليس فقط مجموعة من الناس مختلفة المنابت والأصول تعيش فوق جغرافيا . فللأردن منذ نشوءه غاية في التكوين، فنحن بنهجنا القومي سند لامتنا العربية، وصوت وموقف ثابت وداعم للشقيق الفلسطيني لنيل حقوقه العادلة وانشاء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، التى لا نتخلى عن دورنا الهاشمي في رعاية مقدساتها الاسلامية والمسيحية ، والاردن دوما سيبقى رسالة محبة وسلام في عالمنا.




آخر الأخبار

حول العالم