ربيع عربي 2

يصعب تأطير ما حدث ويحدث في الجزائر والسودان على أنه ربيع عربي بنسخته الثانية. المسوغات، الأسباب، والأهداف، تختلف عن تلك التي رافقت الموجة الأولى من الربيع العربي، التي انتهت ليصفها حتى من دعمها آنذاك أنها خريف وليس ربيعا، شكلت وصفة للفوضى وضربت الاقتصادات أكثر مما حققت أي شيء إصلاحي ذي معنى. بل يمكن القول إن شعبي الجزائر والسودان وبسبب مآلات الربيع العربي السابقة تمهلوا وصبروا على كوارث وسلوكيات أنظمتهم حتى لا يكرروا تجارب دول موجة الربيع العربي الأولى. يستحق الشعبان جائزة نوبل في الصبر؛ الجزائريون صبروا على رئيس تدهور وضعه الصحي لسنوات وهو لا يقوى على ممارسة أبسط مهامه، فكيف بحكمه لشعب ولدولة بحجم الجزائر، أما السودانيون فقد أضاع رئيسهم نصف السودان ودخل في عدة حروب داخلية وأهلية استنزفت مقدرات الدولة وكان من المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.

دروس أحداث الجزائر والسودان عديدة يعلوها حرص الشعوب على الاستقرار حتى لو حكمهم من لا يرغبون به، وحرصهم على سلمية الاحتجاج وعدم انهيار مؤسسات الدولة، وتركيزهم على بديل حاكم يستطيع أن ينجز شيئا وينهض لمستوى طموحات وتطلعات الشعب. هم لا يرغبون باستبدال ثوري جارف ويزيحون شخصا ويستبدلونه بآخر قد يكون أكثر سوءا ممن سبقه؛ هم يريدون سلطة بأداء أفضل تتمكن من إحداث التقدم المنشود.

"الإصلاح بالنتائج" يبدو هو الوصف الذي يمكن أن يقترب من تلخيص رغبات الشعوب وأهدافها وراء المطالبة بالتغيير؛ لا أحد يريد الانتفاض لغايات التغيير الشكلي، ولا أحد يريد تغييرا جارفا يطيح بالاستقرار والطمأنينة في المجتمعات. الشعوب تبدو كما لو أنها طورت وعيا جمعيا دفعها للحذر والمطالبة بسقوف معقولة وبأداء من الأنظمة يحقق نتائج تحسن حياة الناس، وتحترم حقهم في معرفة مسوغات القرارات، وأن يكون لديهم أدوات مجتمعية وقانونية لمراقبة سلوك التنفيذيين. الناس تريد أدوات تداول سلطة تنفيذية وقانونية واضحة ومستقرة يحترمها الجميع بما في ذلك السلطة التنفيذية. بهذا السياق تبدو مطالب الشعوب بالإصلاح أكثر إمكانية لأن تتحقق لأنها استفادت من موجة الربيع العربي الأولى التي كانت كلفتها عالية على الشعوب والدول.

كتب كثير من السلب والإيجاب عن الربيع العربي، وما تزال الأسئلة المعلقة أكثر بكثير من تلك التي تمت الإجابة عليها، لكن الثابت الاكيد أن العالم العربي بعد ربيعه أو خريفه ليس كما كان سائدا قبل. سلوك الدول والأنظمة اختلف وزادت مجسات الحساسية للشعوب ومطالبها وتطلعاتها واحترام عقولها. الشعوب في المقابل زاد وعيها بضرورة الحرص على الاستقرار والتفريق بين مطالب الإصلاح وسلوكيات تقوض أسس الثبات في المجتمع. الجانبان يعملان في بيئة معقدة لا يمتلكان القدرة على تجاهلها أو تغييرها، ويتأثران بثورة رقمية واتصالية غير مسبوقة بالتاريخ الإنساني، تساعد على تبادل المعلومات ونشرها وتحشيد الزخم المطلوب خلف المطالب.

 

آخر الأخبار

حول العالم