شبه فاسد

هلا أخبار - للأسف سجل تصنيف الأردن المزيد من التراجع على مؤشر مدركات الفساد العالمي للعام 2017 الذي اصدرته منظمة الشفافية الدولية ليحتل المرتبة 59 عالميا، بعد ان كان في المرتبة 57 في 2016 متراجعا مركزين، وفي ذلك العام تراجعت مكانة الأردن ايضا 12 مركزا عن 2015، بمعنى ان حالة الفساد تزداد تفاقما عاما بعد عام ما حدا بالمنظمة الدولية الى وصف حالة الأردن بـ"شبه فاسد" في الوقت الذي تتقدم فيه حالة النزاهة في دول مجاورة مثل الامارات العربية والسعودية وغيرهما. 
جرس الانذار الذي اطلق في 2011 يبدو انه لم يُسمع جيدا، حينما جعلت الحراكات الشعبية من مكافحة الفساد الاساس المتين للاصلاح حيث تم احتواء الكثير من الجهود التي بذلت وافرغت من مضامينها، وفي مقدمة ذلك ميثاق النزاهة الوطنية وجهود اللجان عملت على هذا الملف. سوف يقول البعض ان تقرير الشفافية الدولية يقيس المدركات وبالتالي علينا ان لا نأخذ الامر بكل هذا القلق؛ وهذا كلام تبريري لا قيمة له، وعلى الحكومة الخروج للناس والاعتراف بأن حالة الفساد باتت خطرا داهما ومكافحتها يجب ان تكون اولوية، وهي مهمة رسمية ومجتمعية بعدما انتشر الفساد الصغير والمحسوبية مع استمرار تراجع الكفاءة العامة للدولة. 
لماذا هذا التراجع المستمر على مدى السنوات الثلاث الاخيرة، وماذا جرى للخطة التنفيذية للميثاق الوطني للنزاهة وما نسب الإنجاز الرسمي منها وما الذي عملته هيئة النزاهة الجديدة؟ للاسف نحن لسنا بحاجة لتقرير الشفافية الدولية فالصورة واضحة، حيث ما تزال البنية التشريعية لا تلبي متطلبات ترسيخ النزاهة، فقانون الكسب غير المشروع ومسألة اشهار الذمة المالية بلا جدوى عمليا، في هذا الوقت لم تعمل المؤسسات على تطوير قدراتها البشرية في نظم النزاهة الحديثة، ولم تذهب للاستفادة من التجارب العالمية في توظيف التكنولوجيا والأتمتة في ترسيخ النزاهة العامة وتقليل الفجوات التي يخلقها التدخل البشري. 
الامر الذي لا يقل خطورة يبدو في تنامي الفساد الصغير اي الرشوة تحديدا، حيث ازداد الادراك الرسمي مؤخرا لتنامي ظاهرة الرشوة واستفحالها في القطاع العام بأشكال مختلفة، وهناك قصص لا تنتهي عن التعقيدات التي يضعها موظفون في وجه مصالح المواطنين في سبيل الحصول على رشوة، ويمتد ذلك من مؤسسات إلى جهات تنظيمية وخدمية وسلطات متعددة المستويات، والاخطر ان البيئة الاقتصادية الراهنة والظروف الصعبة التي يعيشها المجتمع تزيد الامر تعقيدا، وبالفعل فقد نبّه الملك في أكثر من مناسبة إلى خطورة هذه الظاهرة، ولكن الى هذا الوقت لم يتم تطوير تصور وطني شامل، فالدولة تعاقب المرتشين ولكنها لا تحارب ظاهرة الرشوة. 
وسط البيئة السياسية والإدارية الرخوة التي شهدتها الدولة منذ سنوات نمت شبكات من المصالح تشبه التنظيم المفتوح الذي يدير مصالحه على حساب الدولة والمجتمع، وهذا التنظيم له قواعده ومعاييره غير المعلنة لكنها معروفة، وإحدى أدواته الفاعلة تعطيل القانون، وحماية مصالحه بكافة اشكال الفساد والتلاعب والتزييف وبيع الأوهام، هذا التنظيم المفترض يقود حملات مبرمجة ويخوض حروبا ويحصن دفاعاته داخل المؤسسة الرسمية وخارجها، وللأسف يبدو ان بيئة الإعلام الرخوة ايضا توفر له ملاذات، وتمارس احيانا رأس الحربة في بعض هجماته. الى اليوم لم نستطع تنظيف الشركات العامة الكبرى وكل ثلاث سنوات تخرج علينا ظاهرة فساد ونصب جديدة من البورصات الوهمية الى التعزيم والبيع الاجل ولا ندري ما القادم.
المسألة التي لا تقبل التخمين تبدو في ان معركة الفساد وتبييض الصفحات لا يمكن ان تخاض بالتجزئة ولا يمكن أن تأتي بنتائج سياسية واجتماعية إذا بقيت تقوم على الانتقائية، فالفعل الجاد الذي سوف يحرك الوعي العام ويستعيد الثقة بأن الدولة هي الضامنة للنزاهة والعدل يتمثل في أن يصل الى قناعة الناس أنه لا توجد خطوط حمراء في مكافحة الفاسدين.

آخر الأخبار

حول العالم