فساد الإصلاح

هلا أخبار - هل يمكن أن يأتي الإصلاح بالفساد؟ هذا وارد تماما ولدينا أمثلة محلية عديدة، علاوة على ما وثق لعشرات النماذج الإصلاحية التي قادت إلى فساد في أنحاء مختلفة من العالم، ونتحدث هنا عن الإصلاح الاقتصادي أكثر من غيره، وأحيانا تكون عمليات الفساد أو الإفساد إحدى نتائج الإصلاح الجانبية التي لا بد منها أثناء عمليات الإصلاح والتطوير والتغيير، ويمكن تجاوزها مقارنة مع حجم ما يتحقق للمجتمع من إنجازات، فكل عملية إصلاح تنطوي على تغيير ما قد يقود إلى خيارات بديلة غير ملائمة، وهناك شكل آخر من فساد الإصلاح حينما يكون انتقائيا؛ وهذا ما نخشاه في الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة، فثمة تجارب أردنية مريرة مع الإصلاحات الانتقائية تعود إلى عقود. 
مع الدخول عمليا في آخر سياسات رفع الدعم الحكومي المباشر عن الطحين والخبز تكون الحكومات الأردنية قد أنهت مسلسلا طويلا من تغيير قواعد الاقتصاد المحلي، ليس فيما يتعلق بتغيير عناصر البعد الاجتماعي للاقتصاد وللمالية العامة، بل إلى ما يصل العلاقة بين المواطن والدولة، وتكتمل الدائرة مع استكمال ما يسمى "الإصلاحات الضريبية"، وبذلك تكون الحكومات استنفدت كل ما يمكن أن يطلب من المجتمع في سبيل تحسين أداء الاقتصاد وضبط مخرجاته، ويعد هذا الجانب هو الأصعب في تجارب الشعوب الأخرى، أما الجانب الأسهل فهو المرتبط باستكمال دائرة الإصلاحات الاقتصادية الحكومية وذات الصلة بأداء المؤسسات العامة، وهو المفترض أن يكون الأسهل، ولكنه للأسف وعلى مدى العقود الماضية كان الأصعب. 
ثمة مؤشرات يمكن أن تقود إلى وجود فرصة تاريخية لإنهاء حالة الاستعصاء والتعسر في الإصلاحات الاقتصادية التي تنال بنى صناعة السياسات واتخاذ القرار، ومدى ما تتمتع به من كفاءة ومعرفة، ومدى ما لديها من خيال وابتكار ودراية في معرفة إلى أين يذهب العالم والمنطقة وكيف تستثمر الفرص، وأيضا حالة الاستعصاء المرتبطة في القدرة على تحويل السياسات والخطط والبرامج إلى إجراءات تنفيذية نافعة وبحد معقول من الكفاءة، وعلى هذا الأساس ثمة ملفات عديدة تشهد ضجيجا في خطابات الإصلاح دون أفعال حقيقية على الأرض، مثل استعصاء ملف الاستثمار، والتهرب الضريبي، والمناطق التنموية، ومبادرات تنمية المشاريع الصغيرة وغيرها. وقس على ذلك مجالات الهدر في بلد يدير الندرة في كل شيء، مثل الهدر في مصفاة البترول، أو الهدر في الشبكة العامة للمياه، والهدر في شبكة الكهرباء.  
بالمقارنة بين أسعار الخبز لدينا بالدول المجاورة نجد أن ثمة قناعة وسط الكثير من النخب، وحتى بين عامة الناس أن أسعار الخبز لا يمكن أن تستمر بهذا الوضع، رغم تواضع حجم العوائد التي يمكن أن تحققها الخزينة من خلال آلية إعادة توجيه الدعم المقترحة، فقد كان خط الخبز في السابق هو الخط الأحمر الأكثر خطورة، أما اليوم فمن المتوقع أن الشارع سوف يمرر هذه الإجراءات بسهولة. تبقى المشكلة الحقيقية هي الانتقائية في السياسات الحكومية، ومدى توفر الإرادة والكفاءة العامة في استكمال دائرة الإصلاحات، وعدم قدرة الحكومات على الاقتراب من ملفات أخرى مثل علاقة الدولة بالسوق وعلاقة السوق بالمجتمع، وعلاقة الدولة بهما. 
قد يكون شح المساعدات الخارجية فرصة حقيقية لبناء اقتصاد جديد، فالاعتماد على الذات ليس مجرد شعار أو نوبة عاطفية، بل يحتاج ورش إصلاح حقيقية في المجتمع والدولة، وألا يبقى الإصلاح الانتقائي مجرد اسم حركي للمزيد من التشوهات.

آخر الأخبار

حول العالم