فكّروا معي بالإجابة..؟!

حين نرصد سلسلة من الانهيارات التي تمت في عالمنا العربي خلال الاعوام التسعة السابقة، ابتداء من سقوط بعض الانظمة والاحزاب وصولا الى سقوط الضمائر والافكار والمفاهيم والنظريات، سنكتشف ان هذا السقوط كان اشبه بحالة «تصدع» اصابت عمران الذات العربية، ( انهيار جزئي ان شئت ) وكان يفترض ان تنهض المجتمعات لرأبه واعادة البناء، لكن لم يتم للاسف لاسباب نعرفها، الامر الذي ساهم في تسارع الارتدادات واقتراب موعد الانهيار الشامل.

قبل ان استطرد استأذن بتسجيل ملاحظتين: احداهما ان الانهيارات التي اقصدها تتعلق بمرحلة تاريخية محددة شهدنا فيها بروز «وهم» دولة ما بعد الاستقلال الوطني، ومع ان جذور هذه المرحلة تضرب في اعماق خزان تجربتنا التاريخية والحضارية الطويلة، الا انها استخلصت من هذه التجربة اسوأ ما فيها، وبالتالي فان انهيار قواعد هذه المرحلة لا يحمل اخبارا سيئة في المجمل، رغم ما فيه من آلام وتضحيات ، وانما قد يكون مناسبة لولادات جديدة، ربما لا تكون الان معروفة او مفهومة ،لكنها ستكون مختلفة تماما.

أما الملاحظة الاخرى فهي ان هذه الانهيارات ربما تستغرق وقتا طويلا، كما ان ميدان حركتها الاساسي سيكون داخل عمق «الهوية» بمعنى ان ثمة خارطة جديدة ستلد من رحم هذه الانهيارات لتعيد تشكيل هوية الانسان العربي ومستلزمات اقامته على هذه الارض.

اول المرشحين على قائمة الانهيارات الشاملة هو» الانسان العربي» ، او» الذات العربية» ، ولا ابالغ اذا قلت ان ما حدث من زلازل وانفجارات سياسية واجتماعية ودينية في السنوات الماضية، وما تلاها من حروب وفوضى شكلت انقلابا اعاد تشكيل بنية هذا الانسان، صحيح ان بعض هذه الاصابات شوهت صورته، وربما اعادته قرونا الى الوراء، لكن الصحيح ايضا انها ولّدت لديه حالة جديدة من صدمة الوعي والادراك، وربما التعقل والحكمة لاحقا، وبالتالي فان مرحلة الجنون التي نراها تطفو على السطح في مرحلتي الانفجار والانهيار ستتحول الى مرحلة « توازن» واعتدال على المدى البعيد، وهذه المرحلة – أقصد مرحلة اعادة تشكل وبناء وعي الانسان – قد تكون صعبة وطويلة، لكنها بالتأكيد ليست مستحيلة.

ثاني المرشحين على قائمة الانهيار هو « الدولة « بمفهومها الذي ألفناه في مرحلة ما بعد الاستقلال، واعتقد هنا ان انهيار بعض العواصم ثم الدول في منطقتنا لم يكن بسبب قوة التنظيمات الجديدة المسلحة ولا نفوذ بعض دول الاقليم والخارج وانما كان نتيجة لفشل الدولة القائمة، وهو فشل مزدوج في المفهوم والنشأة والتطبيق، وبالتالي فان المرحلة القادمة ستشهد مخاضات طويلة ومعقدة «لولادة» وتبلور مفهوم جديد للدولة، ليس في المجال السياسي فقط، وانما على صعيد معادلة المكونات والقواعد الاساسية لبناء الدولة وضبط علاقات التنوع والتناقض والفوضى بين مجالاتها المختلفة.

اما ثالث المرشحين لعام الانهيارات فهو حالة «التدين» ،واعتقد هنا باختصار ان الانهيارات التي تتعلق ببعض التدين السائد وربما المغشوش احيانا ستفضي الى اعادة تعريف الاسلام، كدين وليس كحزب او جماعة، بشكل جديد ومختلف، والى تحويله ( انقاذه ان شئت ) من دائرة الاختلاف عليه او التشكيك فيه او التهديد به الى فضاء اوسع من الاجماع والجذب والتصالح والتراحم، سواء على صعيد من هم داخل الملّة الواحدة او مع العالم ايضا.

باختصار، ستكون هذه الانهيارات الكبرى التي بدأت اشاراتها مرشحة لتشكيل ملامح وخرائط عالمنا العربي في العام القادم، لكن: كيف؟ ومن هم الرابحون والخاسرون؟ فكرّوا معي بالاجابة.

آخر الأخبار

حول العالم