ما بعد الانسحاب من الاتفاق النووي

  • 14 / 5 / 2018 - 1:18 م
  • آخر تحديث: 14 / 5 / 2018 - 1:18 م
  • كتبوا

دشن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الثامن من أيار 2018 انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الذي تم توقيعه مع إيران عام 2015 ،وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران، عودة إلى السياسة الأميركية التقليدية ومبدأ «الإحتواء المزدوج»، إذ لا تخرج خطوة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عن قواعد اللعبة الأميركية في الشرق الأوسط، والتي بدت أنها تغيرت في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما،وهي تقوم على الالتزام بأمن وحماية «إسرائيل» وضمان امدادات تدفق «النفط»، الأمر الذي يتطلب علاقة صراعية وجودية مع إيران، كمحدد في بناء التحالفات تمهد لاستدخال إسرائيل في نسيج الشرق الأوسط.

ثمة قناعة واسعة الانتشار أن القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي سوف يؤدي إلى نتائج عكسية ضارة للولايات المتحدة وحلفائها بالمنطقة، ولن يحقق أهدافه المنشودة، ذلك أن الإيرانيين يعرفون أن قرار الانسحاب من الصفقة سيكون أُحادياً، وأن أميركا ستبقى معزولة وحدها، ومن ثمّ فليس هناك ضغط حقيقي على إيران، كما أشار المستشار في معهد واشنطن للدراسات، دينيس روس، الذي سبق له أن شغل مناصب عليا في الإدارات الأميركية المتعاقبة، والذي أكد أن قرار ترمب الانسحاب سيعزل أميركا وليس إيران، فانسحاب الرئيس دونالد ترمب من صفقة النووي مع إيران سيعني بالضرورة نصراً لطهران وليس العكس.

تستند الانتقادات الموجهة لقرار ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي لأسباب عملية وجيهة، فبحسب بيري كاماك لا يقدّم إعلان ترمب الانسحابَ من الاتفاق أي خطة بديلة، ولم يحدّد الرئيس هدفاً واضحاً يصبو إلى تحقيقه؛ فهل يسعى ترمب إلى إبرام اتفاق جديد مع إيران؟ أم إلى توجيه ضربة قاضية تطيح بالبرنامج النووي الإيراني؟ أم إلى تغيير النظام في إيران؟ يمكن للمرء أن يستوحي من تصريحاته أياً من هذه الاستنتاجات، أو حتى جميعها، بيد أن العقوبات وحدها لن تحققّ أياً منها.

لا جدال أن الرئيس ترمب يتماهى في قراره مع الرؤية الأميركية التقليدية دون مراعاة المتغيرات، إذ تقوم المقاربة الأميركية المتعلقة بإيران على أن الجمهوية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها 1979 تشكّل تحدياً شاملاً لمصالحها وتهديدا واسعا لحلفائها وشركائها في الشرق الأوسط، ولم تخل أي وثيقة للأمن القومي الأميركي منذ سقوط نظام الشاه وصعود دولة ولاية الفقيه من الحديث عن الخطر الإيراني واعتبار إيران دولة راعية للإرهاب، فضلا عن كونها دولة «مارقة» ضمن «محور الشر»، ومع ذلك تمكنت إيران خلال العقود الأربعة الماضية من التمدد والانتشار وتمكين سيطرتها وزيادة نفوذها وخلق فضاء جيوسياسي من طهران إلى بغداد مرورا بدمشق وصولا إلى بيروت فضلا عن نفوذها في البحرين واليمن، وفي كل مرة ادعت أميركا التصدي للنفوذ الإيراني كانت إيران تخرج بنفوذ أكبر وتوسع أعظم.

بصرف النظر عن حسابات ترمب البراغماتية التجارية الباردة، وركونه إلى السياسة الأميركية الكلاسيكية بخصوص إيران، فإن قراره يقع في إطار التماهى مع الرؤية الإسرائيلية، فحسب مقالة ستيفن وولت،في مجلة «فورين بوليسي» فإن ترمب يقوم بالخروج من الاتفاقية بناء على رغبة بوضع إيران داخل (نقطة الجزاء)، ومنعها من إقامة علاقات طبيعية مع الغرب، والهدف هو توحيد إسرائيل، الجناح المتطرف من اللوبي الإسرائيلي (إيباك)، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، والصقور الذين يمثلهم مستشار الأمن القومي جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو، وهؤلاء يخافون مع حلفاء أميركا في المنطقة من الاعتراف يوما ما بإيران، ومنحها مستوى من التأثير، فليست الهيمنة الإقليمية هي التي تريدها إيران، لكن الاعتراف بأن لها مصالح إقليمية يجب التعامل معها، وهذا أمر بغيض على الصقور، الذين يريدون الحفاظ على عزلة إيران ونبذها للأبد».

يجادل مناهضو السياسة الأميركية ضد إيران، بأن الولايات المتحدة في كل مرة كانت تحاول الحد من النفوذ الإيراني كانت تساعم بطرائق عديدة في خروجها أكثر قوة وأوسع نفوذا، فبحسب دومينك تيرني، الأستاذ المساعد في كلية سوارثمور والزميل في معهد أبحاث الشؤون الخارجية، دعمت واشنطن صدام حسين في حربه ضد إيران وصنفتها واحدةً من دول «محور الشر» إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، ثم خلصت إيران من حكم صدام حسين عام 2003 وأصبحت العراق في دائرة النفوذ الإيراني، ومنذ هجمات سبتمبر 2001 دعمت أميركا وبشكل منتظم المصالح الإيرانية، عندما قامت بالإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان، ولم تنته جوائز أميركا لإيران عند هذا الحد، ففي عام 2014 وبعد اجتياح مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» شمالي العراق قامت الولايات المتحدة بتشكيل تحالف من 80 دولة لمواجهة جهاديي تنظيم «الدولة» وكالعادة كانت إيران هي المستفيد.

يجمع كثيرون على أن مكاسب طهران تتفوق على حسايات واشنطن الضيقة، فقد علق وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون في صحيفة «نيويورك تايمز» على قرار الانسحاب بالقول:»ستكون فقط إيران هي المستفيدة من رفع القيود عن برنامجها النووي»، فقد ظهرت إيران كدولة ملتزمة بالإتفاق ومدافعة عن القانون الدولي، كما أن الانسحاب الأميركي خلق خللا بين أميركا وحلفائها في أوروبا بطريقة تجعل من الصعوبة بمكان بناء جبهة موحدة ضد إيران، وقد يرفض الإتحاد الاوروبي الإلتزام بالعقوبات الأميركية الجديدة بشكل يدفع إلى مزيد من الخلاف والتوتر بين الحلفاء على جانبي الأطلنطي.

لا جدال أن إيران باتت لاعبا إقليميا مهما في المنطقة بسبب قصور المقاربة الأميركية، فقد أدت التحولات التي عصفت في المنطقة على مدى السنوات الست الماضية إلى تغيرات في بنية المشروع الإيراني وطموحاته الإقليمية، وباتت إبرانتطمح إلى تحقيق خطة واعدة تهدف إلى خلق ممر بري يصل إيران بشواطئ البحر المتوسط مرورا بالعراق وسوريا لتعزيز نفوذ طهران في المنطقة، وهو مشروع إيراني وضع منذ منذ أكثر من ثلاثة عقود لكنه واجه صعوبات نظرية وعملية عديدة، ورغم أن استراتيجية إيران الناشئة حديثاً في بلاد الشام طموحة إلا أنها تقع في إطار استراتيجية أكبر تأمل طهران من خلالها إلى تحقيق هيمنة إقليمية أوسع على المدى الطويل، وبهذا فإن الخطة المرحلية الإيرانية تهدف إلى تحقيق هيمنة مستدامة في العراق وسوريا ولبنان.

رغم عودة التوترات بين إيران وأميركا في عهد ترمب، وإعلان الانسحاب من الاتفاق النووي، إلا أن حسابات الربح والخسارة تشير إلى محدودية خيار المواجهة والتصعيد العسكري، فالسياسة الأميركية البراغماتية تدرك أن إيران قادرة على خلق مشاكل عديدة لأميركا في المنطقة وأن كلفة مواجهة إيران باهظة جدا، كما أن أميركا تفتقر إلى قدرات فعلية على الأرض في العرق وسوريا قادرة على الحد من النفوذ الإيراني وبحسب نيكولاس هراس من مركز الأمن الأميركي الجديد: إنه «ومن أجل مواجهة إيران أو تحجيم نفوذها ربما تجد نفسك قد انزلقت إلى صراع قد يؤدي إلى تدمير الاقتصاد العالمي فهل الرأي العام الأميركي أو حلفاؤنا على استعداد للتحمل؟».

خلاصة القول إن قرار ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي سوف يعزز من قوة إيران وعزلة إمريكا، فقد ظهرت بوادر الخلاف على جانبي الاطلنطي، وتبدو أميركا غير قادرة على إقناع حلفائها الأوروبيين بالمضي خلفها دون مساءلة، ولا يبدو أن حلفاء أميركا في المنطقة لديهم القدرة على مواجهة إيران وحدهم، وتحمل كلف الحرب وحالة عدم الاستقرار، وبهذا فإن إيران تراكم مكاسب مادية استراتيجية صافية، وأرباح رمزية مؤكدة، كدولة تلتزم باتفاقاتها كما أشار الرئيس روحاني، في مقابل دولة أميركية جامحة وغير مسؤولة. (الرأي)

آخر الأخبار

حول العالم