ما تبقى من صفقة القرن

منخفض جدا بات سقف التوقعات بشأن صفقة القرن التي ستعلن في الأشھر القادمة، بینما آخرون یرون أنھا ستولد میتة. الصفقة، التي یشار إلیھا أحیانا بالخطة أو المبادرة لتقلیل حجم الرفض لھا، تفتقر لأھم عناصر التسویات السیاسیة والدبلوماسیة، وھو قبول الأطراف المعنیة لبنودھا وخلق إجماع، أو بالحد الأدنى ”عدم رفض“ من البیئة السیاسیة المؤثرة.

الصفقة، كما یقول القائمون علیھا، لن تحقق تطلعات أي من أطراف النزاع، لكنھ سیجد بھا ما یرضیه، وھو ما یعني أنھا مرشحة للرفض من قبل أصحاب العلاقة كون أیا منھم لن یستطیع سیاسیا تحمل كلفة التخلي عن جزء من مطالبھ المرتبطة بالتسویة، سیما أنھا جمیعھا، بالنسبة لھم، مطالب مصیریة ولیست قابلة للتنازل.

لا أحد یدري بالضبط ماذا ستقول الصفقة عن ملفي القدس واللاجئین. لكن الواضح عملیا أنه یتم تنفیذ الجزء المتعلق بھما فعلیا على أرض الواقع، ونستطیع أن نرى ذلك من خلال قرارات نقل السفارة الأمیركیة أحادیا للقدس، والبدء بخطوات سیاسیة خطیرة لخنق منظمة الأونروا مالیا وصولا إلى تصفیتھا، ومحاولات متكررة وتصریحات بإعادة تعریف اللاجئ بما یستثني أكثر من جیل من اللاجئین، ما یعني، فعلیا، تصفیة قضیة اللاجئین وحق العودة. تعامل الولایات المتحدة مع ھذه الملفات یشیر بوضوح إلى أن صفقة القرن قد بدأت مرحلة التطبیق حتى قبل الإعلان عنھا، وأن الإدارة الأمیركیة ستسیر بھذا العمل بـ“من حضر“ من المعنیین، وأن القائمین على الصفقة لا یعیرون كثیر اھتمام لتسویق الأفكار أو استشارة الأطراف المعنیة بھا؛ فإما أن یقبلوا بھا ویسیروا مع الركب أو أن یبقوا على حالھم.

ما تبقى من عناصر وملفات ھذه الصفقة أو الخطة المنتظرة، لا یبدو أنھ سیختلف كثیرا عن مبادرات وأفكار سابقة طرحت، مثل معاییر كلینتون، أو خریطة الطریق، أو أفكار جورج میتشل التي طرحھا في بدایات عھد أوباما.

ولكن، من قال إن النزاع الفلسطیني الإسرائیلي ینقصھ المزید من الأفكار والمبادرات؟ ھناك عشرات الوثائق والمبادرات التي جاءت بأفكار خلاقة ومنطقیة وقابلة للتنفیذ.

مشكلة المبادرات السابقة جمیعھا كانت وما تزال في عدم وجود الرغبة الأیدیولوجیة، والشجاعة السیاسیة لتطبیقھا، كما أنھا لم تجد قوة وسیطة تدفع الأطراف المعنیة للقبول بھذه الأفكار وتكافئھم على ذلك، أو تعاقبھم إن لم یلتزموا بالتنفیذ.

إذن؛ المشكلة تبقى أولا في خلق الرغبة والقبول بأي مشروع تسویة، وثانیا في وضع نظام مكافآت لتطبیقھ وعقوبات لرفضھ، وھو ما لا یوجد مؤشرات علیھ أو یتوقع حدوثھ من قبل الإدارة الأمیركیة الحالیة.

 أكثر الأمثلة نجاحا في التعامل مع ھذا النزاع كان وزیر الخارجیة الأمیركي الأسبق جیمس بیكر، وقد نجح لأنه انتقل من مرحلة طرح الأفكار نحو مرحلة وضع نظام ثواب وعقاب لتطبیقھا، وتصاحب ذلك مع قابلیة واستعداد لدى الولایات المتحدة لتكون ضامنة لذلك النظام وتطبيقه على جمیع الأطراف. (الغد)

آخر الأخبار

حول العالم