هل ثمة ما هو أغلى من الوطن؟

في لحظة من تاريخنا - حين كنا بخير- كان الناس كلهم يخرجون متطوعين لتلبية أي نداء للخير: لثورة الجزائر كان «الطلاب» يضعون «قروشهم» من مصروفهم المتواضع في صندوق «التبرعات» للمجاهدين، في فلسطين كانت الحرائر الأردنيات يضعن «أساورهن» لإغاثة المهجرين والمنكوبين، كان مجتمعنا آنذاك فقيرا ولكنه نظيف وكريم ومعطاء، كان يهبّ لجمع التبرعات في كل محنة لأنه كان مؤمنا «بالفكرة» ومقتنعا بنبل الغاية والهدف.

الآن - للأسف - تغيرت الصورة، لا تسألني لماذا؟ فأنت - مثلي - تعرف السبب، لكن كل ما يمكن أن أتمناه أن نتعامل مع الناس باحترام وان نقدّر ذكاءهم، لو استطعنا أن نفعل ذلك وان نقنع الناس «بواجباتهم» ونطرد ما استقر في أذهانهم من «انعدام» الثقة بالمقررات والإجراءات لوجدناهم يحتشدون في طوابير أمام «صناديق التبرعات» كرمى لعين الوطن.

يا إلهي، ماذا فعلنا بأنفسنا لنصل إلى هذه «الحالة» البائسة؟ لا أكاد اصدّق بان أقصى ما يمكن أن يقدمه الأردنيون «لخزينتهم» في أزمة «كورونا» لا يتجاوز (93) مليونا من الدنانير صبت في صندوق « همة وطن» ودفعته الشركات والبنوك فقط، لا أكاد اصدق بأننا سنفزع إلى الصندوق الدولي أو غيره من الجهات الدائنة لطلب «مليار» دولار أو أكثر من القروض، أو بأننا سننتظر مساعدات تأتي من هنا أو ربما لا تأتي، لا أكاد اصدق بان في «رقبة» كل أردني «دين» يصل إلى خمسة آلاف دينار أو أكثر، من أوصلنا إلى ذلك؟ ولماذا يقف هؤلاء الآن متفرجين على «الكارثة» ؟ هل سمعت أن متهما «بالفساد» شعر بوخزة ندم أو صحا ضميره وقرر في لحظة «توبة» إن يتبرع بجزء بسيط من ثروته التي جمعها من «ملاليم» الغلابى؟ هل سمعت أن الدولة طردت من عينيها «النعاس» فقررت أن تقطع على هؤلاء «نزهتهم» الطويلة وتسترد بعض ما سرقوه من أموال.

من قال إن الأردنيين لا يحبون وطنهم، وأنهم «يتمنعون» عن التبرع له بدمائهم وأموالهم؟ هل ثمة ما هو أغلى من الوطن؟ لكن أرجوكم دعونا نذهب إلى العناوين الصحيحة لنعرف الحقيقة، ولننقذ بلدنا من «أزماته» التي تتوالد كل يوم، كل ما فعلناه حتى الآن لن يحل المشكلة، فالمديونية ليست مجرد أرقام يمكن أن تطفأ، وإنما «وقائع» لا بد أن يعاد النظر في أسبابها، كما أن الديون والإعانات والتبرعات ليست حلا كافيا، ما لم نبدأ على الفور بتغيير اتجاهنا الاقتصادي، وتطهير تربتنا السياسية من الأشواك التي نبتت في غفلة منا ذات زمان.

تريدون أن «يقتنع» الناس بإجراءات «التقشف» ثم يندفعون لتلبية واجب العطاء ؟ هذا ممكن وفي صميم حسّهم الوطني، لكن عليكم أن تقنعوهم بأنهم شركاء في الغرم والغنم، في دفع استحقاقات «المديونية» وفي دفع استحقاقات «السياسة» وصياغة مشروعها الوطني، وان تقنعوهم بان الأثرياء قبل الفقراء يسددون ما عليهم من «دين» لبلادهم، وبان «السارقين» لن ينجوا من «المحاسبة» وبان خطط «التقشف» لا تتوقف عند التبرعات الرمزية وإنما تمتد إلى ابعد من ذلك مما نعرفه جميعا.

تذكروا دائما أن هذا الشعب الطيب لا يمكن أن يبخل على «وطنه» بأي شيء، أو أن يغضب في لحظة «جوع» أو فقر، فلطالما عايش الفقر وصاحبه، لكنه لا يقبل أن يخدعه احد أو يستعبطه، لا يقبل أن يجوع ليسدد فواتير «رفاهية» الآخرين وليشبع «نهمهم» للمال والسلطة.




آخر الأخبار

حول العالم