جمهورية الموز ومملكة التفاح

حازم قشوع

جمهوريات الموز هو مصطلح سياسي واقتصادي وليس مصطلحا مجازيا فحسب مبني على فاكهة الموز ومغزاها، هذا لان اصل حكاية جمهورية الموز جاءت مع دخول الموز الى الولايات المتحدة سنة 1870عن طريق تاجر تجاوزت ارباحه منها 1000%، لكن فاكهة الموز لاتنمو في امريكا بحكم طقسها البارد فذهب المزارعون والتجار، لزارعتها في هندوراس في جنوب القارة الامريكية وذلك في القرن التاسع عشر، حيث سيطرت ثلاث شركات امريكية على زراعة الموز في هندوراس كانت قد ذهبت من اجل الموز وتصنيع زراعته وما لبثت الا ان سيطرت على خطوط النقل والسكة الحديد اللازمة للتصدير، ومن بين هذه الشركات الشركة المتحدة التي كانت تعرف باسم الاخطبوط بسبب قوة نفوذها وهيمنتها على الاقتصاد في هندوراس.

وفي تلك الفترة بدأ (او هنري) رحلته الى هندوراس والف كتابا اطلق عليه (الملفوف والملوك) حيث وصف فيه بدقة طبيعة الحياة وكيفيتها والوسائل التي تستخدمها الشركات في ضبط الايقاع حيث استخدم هذا الكاتب في كتابه هذا لاول مرة مصطلح (جمهوريات الموز )عندما وصف الاليات والوسائل التي استخدمتها الشركات الامريكية من السيطرة على جواتيملا وكوستاريكا ونيكاراجوا وكوستاريكا وبنما وبليز وهندوراس، من خلال الموز، ومن اجل الموز على اعتبار نقله واستخداماته المتنوعة وسياساته اللازمة والبنية التحية الضرورية لانماء الموز ونمائه…..!!، على الرغم ان مآربها لم تكن من اجل الموز فحسب،

وفي عام 1911 قامت شركة ( ذا فروت الأمريكية ) بتوفير الاسلحة اللازمة للاطاحة بالرئيس ( ميكيل دافيلا) الرئيس الاقوي في هندوراس لكونة قام بمنح شركة منافسة اسمها (فاكارو برذرز ) مشروع خط سكة الحديد دون غيرها، وهو ما جعل من نفوذ الشركات يسيطر على الاقتصاد باكملة كما يقوم بحكم النفوذ من السيطرة على السياسات والترتيبات الداخلية وحتى العلاقات الخارجية وكانت هندوراس تعتبر نموذجا لجمهورية الموز التي مازال يتداول معناها السياسيون بمعنى سيطرة نفوذ الشركات او راسمال على السياسة الاقتصاد كما على السياسية العامة،وهو ذات المصطلح الذي استخدمه جورج بوش الابن، عندما وصف سياسات ترامب اثناء احداث الكابيتول انة يتعامل مع امريكا وكانه يحكم جمهورية الموز بعدما أدخل اتباعه للحرم الديموقراطي بالكونجرس في واشنطن حيث اعتبر ان هذه السياسات تصلح في جمهورية الموز ولا تصلح لبيت القرار الامريكي.

صحيح ان مصطلح جمهورية الموز يعبر عن حالة سياسية متدنية. نتيجة حكم نفوذ الشركات لكن ما هو صحيح ايضا ان الشركات هذه، عندما غادرت لم تاخذ التكنولوجيا معها لاسيما ما يتعلق منها بالصناعة الزراعية، وهذا ما جعل معدلات النمو في هذة البلدان تكون متسارعة، وهذا ما بينه رؤساء البرلمات والحكومات عندما التقيتهم في مؤتمر كرس مونتاتا على متن اليخت الذي كان ما بين مدينة الداخلة في الصحراء المغربية وكازابلاكا، ولقد اكدوا ان معدلات النمو في بلدانهم في تسارع مستمر نتيجة توطينهم للتكنولوجيا المعرفية الخاصة بالصناعة الزراعية واستخدامه لذات المسارات المعرفية في التجارة.
فالشركات المنتجة كما المؤسسات الخدماتية اصبحت جزءا اساسا من عجلة الاقتصاد لهذة المجتمعات، والشركات اصبحت تقوم بدور الحماية الذاتية نتيجة الاستثمارات الخارجية وهذا ما يمكن مشاهدته في نماذج البرازيل والارجنتين والمكسيك التي اخذت تشكل نموذجا تنمويا صاعدا ومازلت فنزويلا تقاوم على السيادة الوطنية للالتحاق بركب المجتمعات التي سبقتها في امريكا اللاتينة.

وهذا يدل ان جمهويات الموز لم تعد تدار برموت من قبل الشركات في ظل زيادة معدلات النمو طيلة فترة الاستثمار كما ان المجتمعات التي تمتلك هامشا من الديموقراطية قادرة على اعادة توزيع الثروات بما يسمح لها باعادة بناء القوام الداخلي، للانتقال بالمجتمع من دور الوظيفي اما بشكل مباشر او غير مباشر الى منزلة الاقتصاد الانتاجي، القادر على فرض الايقاع السياسي الى حد ما، وهو ذات الايقاع الاقتصادي الذي يعبر عن الذات، فان مسالة توطين الاستثمار مسالة مهمة في البعد الاستراتيجي لكنها بحاجة الى رزم ضريبية وتحديد بوصلة الاتجاهات التنموية لتحقيق مناخات جاذبة للاستثمار، وهذا ما يمكن اضافته للاستراتيجية المئوية القادمة للدولة الاردنية.

وان كان المهاجرون العرب من فلسطين والاردن ولبنان قد سيطروا بشركاتهم على التفاح في تشيلي بل وحكموا الاقتصاد فيها وشكلوا اكثر من حكومة في سنتياغو، ونجحوا ايضا في تقديم نموذج مميز في توطين الاستثمار عز نظيره كما في المواطنة في ذات السياق لكنهم مازالوا يحتفظون بكل القيم العربية والقدس ومكانتها مازالت معهم على الرغم من وصولهم الى سدة بيت القرار ومنزلة نفوذ سياسية استثنائية.

وعلي نقيض مما قامت به شركات جمهوريات الموز، فلقد قدم المواطن العربي نموذجا في العمل الجاد والبناء الاصيل، عندما حمل ارثه ورسالته في حله وترحاله، حيث حملها بكل مبادىء وقيم، وساعد على ايجاد اضافة نوعية للمجتمع المعرفي من خلال اسهاماته الفاعلة على كل الاصعدة واضافاته الغنية على مستوى الاقتصاد الانتاجي الذي شكله نموذجا بل واوجد لهذا الاقتصاد بيئة ملائمة في خلال التجارة بالتفاح التشيلي الذي بات يشكل علامة فارقة انتاجية للمجتمع هناك.

ولما تتمتع به الشوبك من مزايا مناخية شبيهة بتلك الموجودة في تشيلي من حيث الارتقاع الجغرافي والمناخ البارد فان الشوبك قادرة ان تكون مملكة للتفاح لما تتمتع به من مناخ مناسب واراض زراعية ملائمة، يمكن عبر الاستثمار فيها جعل الشوبك مملكة التفاح المستقبلية، هذا اذا ما تم استيراد الزراعة المعرفية وتم الاعتماد على الصناعة الزراعية على ان يكون ذلك ليس فقط في الشوبك بل وتشمل القادسية في الطفلية وعجلون وغيرها من المناطق التي يمكن ان ترشدنا اليها المخططات الشمولية في المحافظات.

لذا كان العمل على استقطاب شركات كبرى تعمل ضمن مزايا ضريبية وتسهيلات خاصة امر مهم في دعم عجلة الاقتصاد الانتاجي وامر ايضا مهم في تعزيز مستويات الثقة فالشركات العالمية لا تاتي الا اذا كان هنالك فرص وتم تهيئة هذه الفرص امام قطاع الاستثمار للعمل والانتاج، فنكون قد قمنا بتوطين الاستثمارات من جهة وعملنا على تاسيس لمناخات انتاجية واعدة من جهة اخرى، فان مسار الاقتصاد الانتاجي يصعب تاسيسه دون معرفة والمعرفة تمتلكها الشركات الكبرى التي نحن بحاجة اليها في مرحلة التاسيس والتكوين، لميلاد منزلة الاقتصاد الانتاجي، بسياساته وثقافته وبعلومه ومعرفته، فان عصر جمهوريات الموز بات فعلا ماضيا لان مناخات الهيمنة انتقلت للدول على حساب الشركات.

ولان نماذج الموز والتفاح في الوقت الحاضر يسيطر عليها عرب الشام في امريكا اللاتينية، فان العمل على استقطاب هذه الشركات يبدو ممكنا جدا، خصوصا في دول امريكا اللاتينية التي يبدو انها ستكون قادمة لمنازل اكثر تقدما في منظومة الامن الغذائي التي كان جلالة الملك عبدالله الثاني قد تحدث عن اهمية الاردن لتكون مركزا للامن الغذائي للمنطقة، ويبدو ان الساحة الخلفية لهذه الاستراتيجية يمكن ان تكون امريكا اللاتينية، وهذا يتطلب فتح افاق التبادل التجاري ضمن مزايا المناطق الحرة لهذه الدول في الاردن، وهي مبادرة تبقى برسم اجابة استراتيجية عمل الحكومة للمرحلة القادمة.

الدستور

زر الذهاب إلى الأعلى