الأردنييون يستذكرون معركة الكرامة ودحر العدوان والأطماع الصهيونية

هلا أخبار

يستذكر الأردنيون في الحادي والعشرين من آذار من كل عام معركة الكرامة الخالدة والبطولات والتضحيات التي سطرها منتسبو القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي، في دحر العدوان والأطماع الصهيونية في معركة أعادت للأمة الأمل بقدرة العرب على هزيمة “الجيش الذي لا يقهر”.

ففي مثل هذا اليوم من عام 1968 كان الجنود الأردنيون البواسل على موعد مع النصر في معركة غير متوازنة في العدد والتجهيزات، إلا من قوة العزيمة والايمان والإصرار على ردع غرور قادة العدو الذين صوروا لجيشهم أن عبور النهر الخالد باتجاه الشرق هو “مجرد نزهة لا غير”.

وفي غمرة الاحتفال بذكرى المعركة الخالدة، عقدت وكالة الانباء الاردنية (بترا) ندوة تحدث فيها ثلاثة من أسود الجيش العربي الذين شاركوا فيها، ومحلل استراتيجي، حول بطولات “الكرامة”، وتفاصيل وأبعاد، وملابسات المعركة منذ بدايتها وحتى اندحار المعتدين وتحقيق النصر العربي الأول في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، ما شكل نقطة تحول استراتيجي في الصراع اذا ما اخذنا بالاعتبار الاهداف والغايات التي كانت اسرائيل تسعى الى تحقيقها.

وأشار المتحدثون الى أن الاحتفال بذكرى معركة الكرامة هذا العام يأتي في ظل ظروف اقليمية غاية في الخطورة، والحاجة لاستلهام الدروس والعبر من بطولات الكرامة التي تمدنا بالعزيمة لصون امننا الوطني والمحافظة عليه، ليبقى الاردن حراً عزيزاً كريماً مصونًا في أرضه وعرضه وممتلكاته، بفضل زنود جنودنا البواسل الرابضين على حدودنا اليوم، أحفاد أولئك الأسود الذين صنعوا النصر في معركة الكرامة.

 

الفريق فاضل علي فهيد: استخباراتنا العسكرية توقعت المعركة

 

ويقول الفريق فاضل علي فهيد، احد ابطال معركة الكرامة، “تعد ذكرى معركة الكرامة مناسبة فريدة من نوعها في التاريخ الحديث، ونقطة مفصلية في زمن كاد الإنسان فيه أن يفقد الأمل في التغلب على إسرائيل خاصة بعد نكسة عام 1967، مشيرا الى ان حديثا منفصلا عن معركة الكرامة قد لا يعطي صورة مفصلة وواضحة لجيل اليوم، أو الأجيال التي لم تكن تعي تلك الأحداث.

ويقول، في البداية، استطاع الأردن الاحتفاظ بالضفة الغربية بعد حرب 1948، الأمر الذي لم يرض بعض الدول ولم يسرها، وذهب بهم القول فيما بعد إلى أن الضفة الغربية “تعيش احتلالا أردنيا”، وفي عام 1964 أنشئت قيادة عربية موحدة في القاهرة لإدارة الجيوش العربية برئاسة جنرال مصري (الفريق علي علي عامر)، وبدأت هذه القيادة بالتخطيط لبناء الجيوش العربية، وأول ما صدر عنها؛ “أن لا تأتي الجيوش العربية بأي حركة تعطي إسرائيل مبررا للاعتداء على الجبهات العربية، ومنع العمل الفدائي حتى تكون الجيوش العربية جاهزة للدفاع عن الأراضي العربية”، كما وزعت الخطة العربية على الجيوش العربية والتي كان مفادها بأن الجيوش العربية ستكون جاهزة للدفاع عن الأرض العربية في عام 1971.

وبدأ بناء الجيوش بعد ذلك وشكل في الضفة الغربية سبعة ألوية جديدة من الجيش الأردني، بالإضافة لبعض عناصر من الحرس الوطني آنذاك، وحدث هناك بعض الاعتداءات التي كان الجيش الأردني يتصدى لها كان آخرها عام 1966 والتي عرفت بمعركة السموع والتي استشهد فيها عدد من أفراد الجيش منهم (محمد ضيف الله الهباهبة، والطيار موفق السلطي الذي أسقط طائرة إسرائيلية وسقطت طائرته بعد ذلك).

بعد ذلك كان هناك اشتباك اسرائيلي سوري على الحدود بينهما، وكانت اسرائيل تحاول تغيير مجرى نهر الأردن الأمر الذي يعني أننا دخلنا “حرب مياه”، وبدأ العرب يستشعرون الخطر لأنها عملية حياة أو موت، وجرت معركة في شهر نيسان عام 1966 بين إسرائيل وسوريا، وفي تلك الأيام كانت هناك معاهدة الدفاع العربي المشترك بين مصر وسوريا، وفي تلك الأثناء قام الروس بتمرير معلومات للسلطات المصرية بأن هناك حشودا إسرائيلية على الحدود السورية بنية الاعتداء والدخول إلى الأراضي السورية.

وكان للرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله آنذاك قوات مصرية في اليمن لمساندة الثورة هناك تقدر بـ (40) ألف جندي، إلا أنه أمر بإغلاق مضائق تيران أو ما يعرف اليوم بشرم الشيخ، التي كانت في تلك الفترة الشريان الحيوي لإسرائيل، ثم أتبع ذلك بطلب سحب قوات الطوارئ الدولية في سيناء الأمر الذي يعني إعلان حالة حرب، وكان يفترض أن تقوم مصر بمجرد تقديم هذا الطلب بالهجوم على إسرائيل، ولكن للأسف انتظرت حتى جاءت الضربة الإسرائيلية.

وقبل الضربة الإسرائيلية استشعر المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال الخطر، وفوجئ المجتمع الأردني والعربي بوصول الملك حسين إلى مطار القاهرة، وعقد اجتماعا عاجلا مع الرئيس المصري عبد الناصر وتم الخروج باتفاقية دفاع عربي مشترك بين الأردن ومصر، والعودة إلى الأردن برفقة أحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية والجنرال المصري عبد المنعم رياض ليشرف على الجبهة الشرقية وكان ذلك في 30 ايار 1967.

ونتيجة لذلك، استنفر الجيش الاردني ووضع في حالة طوارئ، ووقعت حرب 1967، “وبكل صراحة، هزمنا فيها هزيمة نكراء”، لكن الهزيمة كانت للسياسة العربية وليست للجندي العربي، لأن (الفزعة) لا تؤدي إلى نتيجة، فلم يكن هناك تخطيط أو تحضير لأي شيء، وبعد ذلك جاء قرار الانسحاب من الضفة كخيار من اثنين أمام المغفور له بإذن الله الملك الحسين؛ إما أن يبقي الجيش ويدمر وتحتل الضفة الغربية، وإما أن ينسحب الجيش على أمل إعادة بنائه، وتحتل الضفة، وكان القرار مشتركا أردنيا مصريا.

وبقي الفدائيون في الأردن بقرار من الدولة وبدأت حرب الاستنزاف؛ وهي معركة في سلسلة معارك ضمن حرب، إذا خسرناها سنستعد للجولة القادمة، وظلت الجبهة الأردنية ساخنة طوال عام 1967 ولغاية شهر آذار من عام 1968، وكانت هناك عدة معارك شبه يومية وطيران يقصف المدن والقرى حتى 15 شباط عام 1968، اليوم الذي وقعت فيه معركة شاملة وواسعة قصف العدو الإسرائيلي فيها 51 قرية أردنية في محافظة إربد وعلى امتداد الأغوار، استشهد فيها منصور كريشان رحمه الله، وكان يطلب من الفدائيين خلال الفترة بين عام 1967 ومعركة الكرامة القيام بعمليات عبر النهر بمساعدة القوات الأردنية لهم بالإمكانيات والمعدات، حتى أن المغفور له الملك حسين أمر في احدى المرات بإعطاء أسلحة من الجيش الأردني للفدائيين.

وفي مطلع آذار وردت معلومات من الاستخبارات العسكرية الأردنية (التي كان مديرها آنذاك العقيد غازي عربيات يرحمه الله) عن اقتراب العدو من اقتحام أو اختراق الحدود الأردنية، ووزعت برقية من الاستخبارات العسكرية قبل 48 ساعة من معركة الكرامة ( 19 آذار 1968) تشير إلى أن وقت الهجوم يحتمل أن يكون صبيحة يوم الخميس 21 آذار.

ويضيف الفريق فهيد: “في هذه المعركة لم يعتمد الجيش الأردني بعد الله الا على امكانياته الذاتية، لأنه في عام 1967 وُعدنا بطيران من مصر وسوريا وقوات عراقية ولم يأت أحد، وكنا نعلم أن الضربة الجوية الاسرائيلية على مصر قضت على 97 بالمائة من سلاح الجو المصري، وقضت على الجيش المصري في سيناء، وجعلت الجثث على امتداد المحاور في سيناء أشلاء متناثرة، فيما دفعنا نحن الثمن في حرب حزيران”.

وقال :”بعد معركة 1967، لم يبق أمامنا إلا الإيمان بالله وعزيمة القتال، علماً بأننا فقدنا ما يقارب من 80 بالمائة من معداتنا وتجهيزاتنا وأسلحتنا ومدافعنا وتكديسنا من الذخائر في الضفة الغربية، في ظل عدم وجود إمكانية لشراء أسلحة جديدة، وبدأنا بالتعويض من بعض القطع القديمة الموجودة في مستودعاتنا، ومع ذلك كان التنسيق بين أسلحة الجيش في أعلى درجاته”.

ويشير الفريق فهيد الى أنه عندما عبرت القوات الاسرائيلية في الساعة (5:30) صباح يوم معركة الكرامة، التي كانت تتشكل من (اللواء المدرع السابع واللواء المدرع 60 ولواء المظليين 35 ولواء المشاة 80 وخمسة أسراب طائرات وخمس كتائب مدفعية وطائرات هيلوكبتر تحمل اثنتين من كتائب القوات الخاصة)، كانت كفيلة باحتلال الأردن كاملا في ذلك الوقت وبسهولة.

وادعى الإسرائيليون حينها أنهم كانوا يريدون مهاجمة نقطة أو قرية تدعى (الكرامة) لطرد الفدائيين منها، ولكن في الواقع كان الهدف الإسرائيلي (خاصة بعد أن رأوا أن عزيمة وصلابة الأردن لم تتأثر) هو “إحضار الأردن إلى طاولة الاستسلام” من خلال احتلال أجزاء من الضفة الشرقية ومن ثم بدء التفاوض على هذا الأساس، وليس على الضفة الغربية، وكانوا يعتقدون بأنهم قادمون في نزهة إلى الأراضي الأردنية.

والكرامة كانت مزرعة فيها بئر ماء، وعندما وقعت نكبة عام 1948 أراد الملك عبدالله المؤسس أن تكون قرية للأشقاء الفلسطينيين القادمين إلى الأردن وسماها بالكرامة، وتدور الأيام “لتصبح الكرامة إسما على مسمى”، بمعنى كرامة الإنسان وكرامة الأردن من خلال دحره لهذا العدوان الفاضح.

ويسرد الفريق فهيد التفاصيل بقوله، بدأت المعركة في الساعة (5:30) صباحاً واشتركت فيها كافة الأسلحة بتنسيق عالي المستوى، وكانت المعركة حامية الوطيس، حيث تفاجأ العدو بقوة النيران ودقة الاصابات، وفي الساعة (11:30) طلب العدو وقف إطلاق النار، ورفض المغفور له بإذن الله هذا الطلب بقوله “لا وقف لإطلاق النار ما دام هناك جندي واحد على الأرض شرق النهر”، واستمر القتال لأنه كانت بالنسبة لإسرائيل عملية الانسحاب في النهار تعتبر قاتلة بالنسبة لهم وسيلاحقهم الجيش الأردني ويلحق بهم خسائر أكثر من التي وقعت، وفي الساعة (9:30) مساء بدأوا بعملية الانسحاب ولأول مرة يتركون آلياتهم ومعداتهم وقتلاهم وبعض الجرحى خلفهم لتكون نتيجة المعركة (87) شهيدا من الجيش الأردني إضافة إلى حوالي (150) جريحا، في حين كانت التقديرات (بعيداً عن لغة المبالغة) والتي جاءت من مصادر محايدة تقول إن إسرائيل خسرت (275) قتيلا، وحوالي (100) آلية ما بين دبابة ومدرعة، إضافة إلى (500) جريح.

وقال :ان هذه المعركة شكلت نقطة فاصلة وحاسمة في التاريخ العسكري الحديث، وأعتقد بأنها المعركة التي رفعت من معنويات الامة بكاملها، وحفزت مصر وسوريا لحرب عام 1973التي شهدناها، كما أعتقد أن معركة الكرامة لم تُعطَ ما تستحقه، كما أن الإعلاميين الأردنيين لم يكونوا “مهرة” في الاعلام في ذلك الوقت، فاختطفت هذه المعركة أجهزة إعلامية أخرى وبدأت تجيَر”.

وأضاف:”من هنا أقول إنني لا أميز بين عربي وعربي في القتال ضد العدو المشترك، لكني أتحيز للحقيقة، والحقيقة يجب أن تكون هي العنوان الرئيسي الذي نخاطبه ونتعامل معه، فالحقيقة هي أن المعركة كانت جيشا لجيش وليس لها أي علاقة بحرب العصابات، وحتى حرب العصابات لم تكن بمفاهيمها العامة تنطبق على معركة الكرامة، ومع الأسف ذهب ضحايا نتيجة سوء التخطيط والدعاية التي اتبعت من قبل بعض الجهات في تلك المعركة”.

وعن إصابته قال الفريق فاضل فهيد :”كنت مسؤولا عن قاطع مساند للواء حطين (دبابات)، ومسؤوليتي كانت من البحر الميت حتى جسر الملك حسين، وقد دخل الإسرائيليون من ثلاثة محاور؛ محور جسر الملك حسين، ومحور جسر الامير محمد (داميا)، ولم يتمكنوا من عبور محور سويمة، ولكنهم افتعلوا هجوما آخر جنوب البحر الميت، فإذا ما أخذنا الجبهة كاملةً فهي تتجاوز 100 كيلومتر عرض الجبهة التي دخلت منها إسرائيل إلى الأراضي الأردنية”.

وأوضح :”في منطقتي التي كنت أخدم بها لم يستطيعوا العبور، ولكن استطاعوا العبور من جسر الملك حسين ودخلت كتيبة دبابات من خلال بلدة الشونة الجنوبية إلى الرامة، وهناك أرادوا الالتفاف علينا وحدثت المعركة فيما بعد، وأصيبت الدبابة التي كنت في داخلها واستشهد اثنان كانا معي هما (عواد حمد الله من سحاب، ومحمد عبدالله سالم من بني خالد)، وقذفت خارج الدبابة وأصبت إصابة بليغة، واستطعت أن ألملم نفسي وبحمد الله كتب لي عمر جديد، واستشهد في سريتي 18 شهيداً”.

 





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق