توجيهات ونصائح عامة لحجاج بيت الله الحرام  

 

هلا أخبار – يقدم الدكتور عبد الرحمن اللويحق أستاذ الشريعة في جامعة الإمام وجامعة الأمير سلطان توجيهات ونصائح عامة لحجاج بيت الله الحرام.

وفي هذه الورقة يسلط الدكتور اللويحق الذي منح “هلا أخبار” نسخة من ورقته والتي تلقي الضوء على أبرز الوصايا في هذه الأيام العظيمة.

وتاليا نص الورقة:

بسم الله الرحمن الرحيم

توجيهات ونصائح عامة

لحجاج بيت الله الحرام:

قال الله تعالى { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } [ آل عمران : 96 -97 ] .

وقال – عز وجل -:{ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ }[الحج:26-27].

إن الحج ركن من أركان هذا الدين, وهو فرض عين على كل مسلم بالغ مستطيع في العمر مرة واحدة.

أما وقت إيجابه فجمهور العلماء، أن إيجابه كان سنة ست بعد الهجرة، ورجح ابن القيم، أن افتراض الحج كان سنة تسع أو عشر.

منزلة الحج وفضله:

رغب الشارع في أداء فريضة الحج، وذلك من خلال نصوص كثيرة منها.

أنه من أفضل الأعمال:

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سئل النبي -r- أي الأعمال أفضل ؟ قال:” إيمان بالله ورسوله ”  قيل: ثم ماذا ؟ قال:” جهاد في سبيل الله ” قيل: ثم ماذا ؟ قال:” حج مبرور” [ رواه البخاري ومسلم].

والحج المبرور: هو الحج الذي لا يخالطه إثم.

وقال الحسن:( أن يرجع زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة ).

وروي مرفوعاً – بسند حسن -:” إن بره إطعام الطعام، ولين الكلام “.

كما جاء في أنه جهاد:

– فعن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- أن رجلاً جاء إلى النبي -ص- فقال: إني جبان، وإني ضعيف، فقال: ” هلم إلى جهاد لا شوكة فيه: الحج ” رواه عبد الرزاق، والطبراني، ورواته ثقات.

– وعن أبي هريرة، أن رسول الله -r- قال: ” جهاد الكبير، والضعيف، والمرأة، الحج والعمرة ” رواه النسائي بإسناد حسن.

وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، ترى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: ” لكن أفضل الجهاد: حج مبرور ” رواه البخاري، ومسلم.

– وعن عائشة -رضي الله عنها- قلت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ قال: ” لكن أحسن الجهاد وأجمله: الحج، حج مبرور ” قالت عائشة:( فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله -ص- ).

كما جاء في أنه يمحق الذنوب:

 – فعن أبي هريرة قال، قال رسول الله -ص- : ” من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه ” رواه البخاري، ومسلم.

– وعن عمرو بن العاص قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله -r- فقلت: ابسط يدك فلأبايعك، قال: فبسط، فقبضت يدي فقال: ” مالك يا عمرو؟ ” قلت: أشترط، قال: ” تشترط ماذا؟ ” قلت: أن يغفر لي؟ قال: ” أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله ” رواه مسلم.

– وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله -r- قال: ” تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضلة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة ” رواه النسائي، والترمذي وصححه.

ما جاء في أن الحجاج وفد الله:

فعن أبي هريرة أن رسول الله -ص- قال: ” الحجاج، والعمار، وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم ” رواه النسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان ، ولفظهما: ” وفد الله ثلاثة: الحجاج والمعتمر، والغازي “.

كما جاء في أن الحج المبرور ثوابه الجنة:

– فروى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ص-: ” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة “.

– وروى ابن جريج – بإسناد حسن – عن جابر -رضي الله عنه-: أن رسول الله -ص- قال:” هذا البيت دعامة الإسلام، فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر، كان مضموناً على الله، إن قبضه أن يدخله الجنة، وإن رده، رده بأجر وغنيمة “.

كما جاء فضل النفقة في الحج:

فعن بريدة قال: قال رسول الله -ص-: ” النفقة في الحج، كالنفقة في سبيل الله: الدرهم بسبعمائة ضعف ” رواه ابن أبي شيبة، وأحمد، والطبراني، والبيهقي، وضعفه الألباني.

وصايا وتوجيهات للحجاج:

وهذه جملة وصايا وتوجيهات أرجو من الله أن تلقى قبولاً، لما في العمل بها من ثمرات طيبة تعين على أين يكون الحج مبروراً مقبولاً بإذن الله تعالى.

أخي الحاج اجعل نسكك خالصاً وصواباً:

أما الإخلاص فلأنه نبراس العمل ومادته ومحركه, وعليه يتوقف قبول العمل أو رده، قال تعالى:{ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ }[البينة:5].

وقال تعالى:{ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ } [الزمر:2].

وقال تعالى:{ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ } [الزمر:11].

وهذا الإخلاص اجعله مرافقاً لك في سائر نسكك بل حياتك كلها، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: حج النبي -ص- على رحل رث وقطيفة خلقة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي ، ثم قال:” اللهم حجة لا رياء فيها، ولا سمعة “.

وفي الحديث:” إنّ الله لا يقبل من العمل إلّا ما كان له خالصاً، وابتغي به وجهه” رواه النسائي وحسنه الألباني.

وجاء في الحديث القدسي يقول الله -عز وجل- :” أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشركه “.

أما كونه صواباً فذلك لأن من شرط صحة وقبول العمل اجتماع: الإخلاص لله ومتابعة النبي -ص- فيه حيث قال: ” مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ “.

وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول:( اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:( وجماع الدين أصلان أن لا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع ، لا نعبده بالبدع كما قال تعالى:{ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } وذلك تحقيق الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله ، إذن للعبادة شرطان ، الإخلاص والمتابعة.

قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه ؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل؛ حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة ثم قرأ قوله تعالى:{ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } ).

أخي الحاج عظم ما عظمه الله فإن ذلك من تقوى القلوب:

قال تعالى:{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ  }[ الحج:30].

والحُرمات تشمل كل ما أوصَى الله بتعظيم أمره، فتشمل مناسك الحج كلها .

وحرمات الله: كل ماله حرمة، وأُمر باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها، فتعظيمها إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون، ولا متكاسل، ولا متثاقل.

وقال الزمخشري:( والحرمة: ما لا يحل هتكه، وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها ، فيحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه ، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما يتعلق بالحج ).

وقال الطبري:( { وَمَنْ يُعَظَّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } يقول:ومن يجتنب ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها وحُرمَه أن يستحلها، فهو خير له عند ربه في الآخرة ) الطبري:(18/617).

قال مجاهد في قوله:( ذلكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ ) قال: الحُرْمة: مكة والحجّ والعُمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها.

وعن زيد بن أسلم : الحرمات خمس : الكعبة الحرام ، والمسجد الحرام ، والبلد الحرام ، والشهر الحرام ، والمحرم؛ حتى يحلّ.

{ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } أي فالتعظيم خير له. ومعنى التعظيم : العلم بأنها واجبة المراعاة، والحفظ، والقيام بمراعاتها.

وقال تعالى{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ }[ الحج:32].

{شَعَائِرَ اللَّهِ } الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر، أشعر به وأعلم، ومنه شعار القوم في الحرب، أي علامتهم التي يتعارفون بها.

فشعائر الله: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، وقيل: أوامره، وقال ابن عباس: شعائر الله:( البدن والهدي ) وأصلها من الإشعار، وهو إعلامها ليعرف أنها هدي، وتعظيمها: استسمانها واستحسانها.

وتقدم أن معنى تعظيمها، إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد، ومنها الهدايا، فتعظيمها، باستحسانها واستسمانها، وأن تكون مكملة من كل وجه.

قال الطبري:( إن الله تعالى ذكره أخبر أن تعظيم شعائره، وهي ما حمله أعلاماً لخلقه فيما تعبدهم به من مناسك حجهم، من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم: من تقوى قلوبهم; لم يخصص من ذلك شيئاً، فتعظيم كلّ ذلك من تقوى القلوب، كما قال جلّ ثناؤه; وحق على عباده المؤمنين به تعظيم جميع ذلك ).

قال ابن عمر:( أعظم الشعائر: البيت ).

وقال محمد بن أبي موسى:( الوقوف، ومزدلفة، والجمار، والرمي، والبدن، والحلق: من شعائر الله ).

وقال عطاء بن أبي رباح: ( شعائر الله جميع ما أمر الله به، ونهى عنه ).

قوله: { فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } فتعظيم شعائر الله -وخاصة مناسك الحج- صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها يبرهن على تقواه وصحة إيمانه، لأن تعظيمها، تابع لتعظيم الله وإجلاله.

وإضافة { تقوى } إلى { القلوب } لأنّ تعظيم الشعائر اعتقاد قلبي ينشأ عنه العمل .

أخي الحاج تلطف بإخوانك، واعلم بأنك وإياهم كالجسد الواحد:

فالإسلام جعل المسلمين في توادهم ومحبتهم لبعضهم, وقيامهم بشؤون بعضهم البعض كالجسد الواحد, في تحقيق الرعاية والخدمة لهذا الجسد الواحد.

فعن أبي موسى– رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – r -:” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ” [ مسلم ]

وعن النعمان بن بشير- رضي الله عنه -قال: قال رسول – r -: ” مثل المؤمنين: في توادهم, وتراحمهم, وتعاطفهم, مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر, والحمى “[ مسلم ]

قال ابن أبي جمرة – رحمه الله – : ( الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف وإن كانت متقاربة في المعنى, لكن بينها فرق لطيف, فأما التراحم: فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضاً بأخوة الإيمان. لا بسبب شيء آخر.

وأما التوادد: فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي.

وأما التعاطف: فالمراد به إعانة بعضهم بعضاً كما يعطف الثوب عليه ليقويه ) [ابن حجر: فتح الباري:10/439].

قال ابن حجر – رحمه الله – : (  قوله “كمثل الجسد” أي بالنسبة إلى جميع أعضائه, ووجه التشبيه فيه التوافق في التعب والراحة قوله ” تداعى ” أي: دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في الألم, ومنه قولهم: تداعت الحيطان أي تساقطت أو كادت قوله: ” بالسهر والحمى : أما السهر: فلأن الألم يمنع النوم, وأما الحمى: فلأن فقد النوم يثيرها ) [فتح الباري:10/439].

 قال القاضي عياض – رحمه الله – ( فتشبيهه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح وفيه تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية وفيه تعظيم حقوق المسلمين والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضاً ) [ابن حجر: فتح الباري:10/439]

أخي الحاج تذكر بأنك في مكان الذنب فيه عظيم:

فقد توعّد الله عز وجل من يرد الفساد والإلحاد في الحرم بعذاب أليم فقال تعالى:  { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }[الحج:25].

قال ابن كثير رحمه الله: ( أي يهم بأمر فظيع من المعاصي الكبار ).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله – r – قال:” أبغض الناس إلى الله ثلاثة – وذكر منهم – مُلحد في أرض الحرم “[رواه البخاري].

قال ابن حجر في الفتح: ( وظاهر الحديث أن فعل الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره ) وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – مرفوعاً: (  لو أن رجلاً همّ فيه بإلحاد وهو بعدن أبين، لأذاقه الله عذاباً أليماً ) هذا فيمن همّ بالسوء، فكيف بمن عمله!!

فكان لعبد بن عمرو بن العاص فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم، فقيل له في ذلك فقال:( إن كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول: كلا والله، وبلى والله ).

أخي الحاج تذكر بأن قصدك للحج وللنسك هو من الاستجابة لله ورسوله      -ص-:

يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } ( الأنفال:24 ).

وهذا نداء عام لكل مؤمن بالله موقن به فعلى كل مؤمن أن يُرعي هذه الآية سمعه وينصت لنداء الحق كما قال عبد الله ابن مسعود:( إذا سمعت الله يقول:{ يا أيها الذين آمنوا } فأرعها سمعك فإنها خير تُؤمر به أو شر تُنهى عنه ).

والاستجابة لله ورسوله -ص- تعني الانقياد لما أمروا به والمبادرة إلى امتثال ذلك فالاستجابة لله وللرسول: طاعتهم فيما أمروا، والانتهاء عما نهوا عنه، فهي إجابة لهما في كل شيء يأمرون به، وينهون عنه، كما أنها تصديق للخبر وانتفاع بالوعظ.

فإن جاءك حكم شرعي من عالم أو طالب علم ثقة، مخالف لهواك، فإياك إياك أن تتبع الهوى فتضل وتشقى.

وانظر إلى خليل الرحمن إبراهيم – عليه السلام – فهو على رأس المستجيبين لأمر الله في قصة ذبح ولده إسماعيل، كما قصها علينا القران قال تعالى في قصة ذبح إسماعيل من قبل والده إبراهيم – عليهما الصلاة والسلام – ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ) [ الصافات: 102-111 ].

الخليل يأتيه الأمر من الله سبحانه بذبح ابنه البكر الوحيد، ومتى ؟ عندما بلغ معه السعي؛ أي: لما بلغ سن الشباب، وإبراهيم إذ ذاك شيخ كبير، ومع ذلك يستجيب إبراهيم – عليه السلام- إلى تنفيذ أمر ربه من غير تردد، أو تلكؤ، أو اعتراض على أمر ربه، فلم يقل: إنه ابني ووحيدي، بل بادر لتنفيذ أمر ربه .. وكذلك إسماعيل – عليه السلام – استجاب لأمر ربه، ولم يعترض، أو ينازع في الأمر، بل قال لأبيه: ( أفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) فهل بعد هذه الاستجابة من استجابة، أبٌ شيخ كبير يؤمر بذبح ابنه، فيبادر لذلك مطيعاً راضياً، وولد شاب يستسلم لأمر ربه.

وفي التحذير من مخالفة الشرع جاء عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ص-:” كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ” قالوا يا رسول الله: ومن يأبي؟ قال:” من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ” رواه البخاري

إذا الجنة لمن أطاع واتبع، وتأبى الجنة على من عصى واستكبر!!

قال ابن القيم:( كان عمر – رضي الله عنه-  يهم بالأمر ويعزم عليه فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله -ص- انتهى ).

ويستدل بهذه الآية على أن الإجابة واجبة في كل ما دعا الله ورسوله إليه، فيجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله، أو قول رسوله -r- في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائنا ما كان ويدع ما خالفه.

وتظهر ثمرة الاستجابة في قوله تعالى:{ إذا دعاكم لما يحييكم} وللعلماء كلام في معنى ( يحييكم ) قال الإمام الطبري:( وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق، وذلك أن ذلك إذا كان معناه كان داخلاً فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب، أما في الدنيا فيقال الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة، وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها ).

أخي الحاج تذكر بأنك في أيام مباركة طيبة يشرع فيها، ويستحب العمل الصالح فأنت في العشر المباركة من ذي الحجة:

فإنه ليس في الأيام أيامٌ مثلها في عظيم قدرها، وعظيم أجر العامل فيها، ففي الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي-ص- قال:” ( ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه ” قالوا: ولا الجهاد ؟ قال:”  ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء “.

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله-r-:” ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، والتحميد  ” رواه أحمد .

ولنتذكر قول الحسن البصري – رحمه الله-:( أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشدَّ منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم ).

أخي الحاج إن جهلت فسأل أهل العلم:

وتذكر قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]

وقوله تعالى: { ولا ينبئك مثل خبير ) فقد بين الله تعالى وجوب الرجوع إلى أهل العلم والذكر والمعرفة عند عدم العلم.

إن الواجب في حقك السؤال والتزود بالعلم قبل الشروع في النسك، وعند الاشتباه في أمر ما إرجع إلى أهل العِلم والفتوى المتواجدين في مقرات الحملات، أو المنتشرين في بقاع أداء النسك.

وإياك وسؤال عوام الناس، وإياك أن تتجرأ على فعل بدون علم  يكون فيه فساد حجك بناء على تقصيرك بالسؤال.

فمن الملاحظ أن بعض الحجيج يتجرأ على تجاوز أحكام النسك جهلاً وإتباعاً لهواه، أو تقليداً لبعضهم البعض من غير علم ولا بصيرة، أو يكون سؤالهم لمن هم ليسوا من أهل العلم الموثوق بعلمهم.

ولك أن تسأل نفسك ماذا تصنع لو أصبت بمرض ما – حفظك ربي من كل سوء – هل تسأل أي أحد أم تختار وتبحث عم هو من أهل الاختصاص ؟!

وهذا ما يجعل الإنسان يفهم ويدرك جيداً موقع المقالات المأثورة عن السلف في شأن الفتوى وخطورتها، وهي نصوص ومواقف كثيرة، منها ما رواه ابن عبد البر رحمه الله: أن رجلاً دخل على ربيعة بن عبد الرحمن – شيخ الإمام مالك – فوجده بيكي! فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم له! وظهر في الإسلام أمر عظيم! قال ربيعة: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق.

ومن جهة أخرى فالحذر الحذر أخي الحاج من أن تفتي أحداً بغير علم فتضل وتضل؛ وتذكر تحذير الله حين قال: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }[ الإسراء:36].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -ص- يقول:” إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا ” [ رواه البخاري ومسلم]

وأخرج أبو داود عن جابر قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبى -ص- أخبر بذلك فقال:” قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر، أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر  جسده “.

وأخرج الدارمي عن عبد الله بن جعفر مرسلاً:” أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار “.

وقال الإمام أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي:( إن أحَدهم لَيُفْتِي في الْمَسْألة ولو وَرَدَتْ على عُمَر لَجَمَع لها أهْل بَدْر )

وقال الإمام الشاطبي:( المفتي قائمٌ في الأمّة مقام النبيّ -r-).

أخي الحاج اعلم بأن المناسك جعلت لإقامة ذكر الله:

يقول النبي -ص-: ” إنما جُعل الطواف بالبيت، والسعيُ بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله” رواه الترمذي.

فإقامةُ ذكر الله والإكثارُ منه في المشاعر مقصَد من مقاصد أداءِ تلك الشعيرة وأرجَى لقبولها قال تعالى: ( لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ) [الحج:28]، وقال جل وعلا: (فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ) [البقرة:198]، وقال جلّ جلاله: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة:200]، وقال سبحانه: (وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ) [البقرة:203].

والحاج الذاكر هو أقرب وأعلى منزلة عند الله تعالى، يقول ابن القيم:( أفضل أهلِ كلِّ عمل أكثرهم فيه ذكرًا، فأفضل الصُّوَّام أكثرُهم ذكرًا لله في صومِهم، وأفضل المتصدّقين أكثرُهم ذِكرًا لله، وأفضل الحجّاج أكثرهم ذكرًا ).

ومواطن ذكر الله تعالى المختصة بالحج وأعماله كما ذكرها العلامة الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله- تقع في ثلاثين نوعاً نذكر منها:

1- التلبية بالنسك مستقبلاً القبلة : “اللهم لبيك حجاً” أو:” اللهم لبيك عمرة” أو: “اللهم لبيك حجة وعمرة” . وإن شاء قال : “لبيك حجاً” وهكذا.

 2- التلبية رافعاً الرجل صوته، وصفتها:” لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”.

3- قول : “بسم الله والله أكبر” عند استلام الحجر الأسود، وهكذا كلما حاذاه، يقول : “الله أكبر “.

4- يقرأ عند رقيه الصفا للسعي، قول الله تعالى : {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية ، ويقول: “نبدأ بما بدأ الله به “.

5- الإكثار في السعي فيما بين الصفا والمروة من الذكر والدعاء بما تيسر، ومنه المأثور عن ابن مسعود، وابن عمر، وعروة بن الزبير: “رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم ، إنك أنت الأعز الأكرم “.

6- التلبية بعد الزوال بالحج يوم الثامن للمحلين، ولمن أراد الحج من أهل مكة.

7- الدعاء والذكر يوم عرفة خاصة بعد الزوال في موقف النبي -ص- أو في أي مكان منها، مستقبلاً القبلة رافعاً يديه، مجتهداً في ذلك، مكثراً منه بما تيسر، ويشوبه بالتهليل، والتلبية، مكثراً من التهليل بقوله : “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير “.

8- الإكثار من التلبية في مسيره من عرفة إلى مزدلفة.

9- الذكر والدعاء عند المشعر الحرام بعد صلاة الصبح في المزدلفة، فيذكر الله ويوحده ويهلله ويكبره ، ويدعوه رافعاً يديه مستقبلاً القبلة إلى أن يُسفر جدّا.

10- التكبير مع كل حصاة يرميها في أي يوم من أيام الرمي قائلاً : “الله أكبر “.

11- يقول عند نحره أو ذبحه لهديه : “بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبّل مني “.

أختي الحاجة:

تذكري بأن الحج هو جهاد المرأة؟ لقول النبي -r- لعائشة -رضي الله عنها-: “جهادكن الحج ” رواه البخاري

ولتعلمي بأن للمرأة أن تحرم فيما شاءت من الثياب التي لا يمنع الشرع منها عادة.

واعلمي أختاه: بأنه يحرم على المحرمة لبس البرقع والنقاب أو ما خيط على قدر الوجه، ولبس القفازين وهما ما خيط على قدر الكفين؟ لقول النبي-ص-:”لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين” رواه ا لبخا ري.

واعلمي بأن المحرمة لا تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب، ويمكن أن تستر وجهها وكفيها بأي شيء كالثوب والخمار ونحوهما، فقد قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: “كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله -ص- محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه “. رواه أبو داود.

واعلمي بأنه يجوز للمحرمة أن تلبس القميص والسراويل والجوارب للقدمين، وأساور الذهب والخواتم والساعة ونحوها، ولكن يتعين عليها ستر زينتها عن الرجال غير المحارم في الحج وفي غير الحج.

واعلمي بأن الحيض لا يمنع الإحرام، فالحائض تحرم وتفعل ما يفعله الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت، فتؤخره إلى أن تطهر.

واعلمي بأنه ليس على المحرمة رمل في الطواف، ولا ركض في السعي.

والمرأة المحرمة لا تجهر بالتلبية، بل تسر بها فتسمع نفسها ومن بجوارها من النساء، ولا تسمع الرجال الأجانب.

واحذري من كشف شيء من بدنك: وبخاصة في الأماكن التي يمكن أن يراك فيها الرجال، كأماكن الوضوء العامة فهذا الفعل فيه إثم.

واعلمي بأنه يجوز للنساء الدفع من مزدلفة قبل الفجر: فقد رخص النبي -ص- لبعض النساء ولا سيما الضعيفات بالانصراف من مزدلفة بعد مغيب القمر في آخر الليل، وذلك حتى يرمين جمرة العقبة قبل الزحام، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها:( أن سودة -رضي الله عنها- استأذنت النبي -ص- ليلة جمع- أي مزدلفة- أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة- أي ثقيلة- فأذن لها، وأرسل أم سلمة كذلك، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت وأفاضت) رواه أبو داود.

ولتعلمي بأنه لا يجوز للمرأة المحرمة أن تمكن زوجها من جماعها، أو مباشرتها طالما أنها لم تتحلل التحلل الأكبر.

وإياك و مزاحمة الرِّجال عند أداء النسك خاصة في الطواف؛ لأجل تقبيل الحجر الأسود، فعن عطاء قال: كانت عائشة -رضي الله عنها- تطوف حجْرة من الرِّجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أمّ المؤمنين، قالت: انطلقي عنّي، وأبَت. أخرجه البخاري.

ولمّا اشتكت أمّ سلمة رضي الله عنها قال لها النّبي -ص- : ” طوفي من وراء النّاس وأنتِ راكبة ” أخرجه البخاري ومسلم.

 

 

 

 

 

 

 

 






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق