أبو صعيليك يكتب : اقتصادنا وعقلية الريع

** لا يقبل عقل ولا منطق أن تعتمد الحكومةُ على المساعدات وتطالب مواطنيها بالانتاج

** نحتاج إلى اجتثاث ذهنية الريع من عقلية المسؤول الحكومي

** لماذا يتسابق المسؤولون على إعلان القروض، والسعي وراء المنح؟

كتب النائب خير أبو صعيليك * 

أكثر ما يُسبّب الضررَ لأي اقتصادٍ هو اعتماده على الريع كمصدر للايردات، ومن ثم انعكاس ذلك على جزءٍ من مواطنيه والذين سيعتمدون على الريع بدلاً عن العمل مما يضعف زخم الانتاج وفعاليته ويزيد في كسل الاقتصاد وتباطئه.

يضاف إلى ذلك حالة عدم اليقين التي تعتري هذا الأسلوب كون هذه الايردات تخضع لتقلبات السياسة وتبدّل مواقف الدول والأنظمة، عدا عن الإملاءات التي قد تفرضُ على متلقيها، والذي سيضطر للقبول بها تحت سيف انخفاض الشعبوية التي يقودها الشارع  إذا ما تم المساس بمستوى الخدمات المُقدّمة للمواطنين وبالتالي المزيد من الغرق في الديون وتضخيم الجهاز العام غير المنتج أصلاً، فيصبح حال هذا الاقتصاد كمن يزيد الخناق حول عنقه .

الحكومة  – أي حكومة – هي المسؤولة عن هذه الحالة من الكسلِ وليس المواطن، فالحكومةُ هي من تملك سلطة إنفاذ القانون وهي المسؤولة عن التنظم، ولا يقبل عقل ولا منطق أن تقوم الحكومةُ بالاعتماد على المنح والقروض والمساعدات ثم تطالب مواطنيها بالانتاج، لأن القدوةَ هي الجزء الأهم في تغيير ثقافة السلوك البشري.

هنا نتساءل، لماذا يتسابق المسؤولون على إعلان القروض والسعي وراء المنح، فأصبحت غايتهم هو تحسين شبكة العلاقات الدولية، مما يُمهّد نحو تسهيل شروط الاقتراض؟ ويظهر ذلك جلياً في الاهتمام البالغ من قبل الحكومة عند استقبالها مندوبي الدول المانحة سعياً لكسب ودهم مما يشير إلى عقلية الريع المتأصلة في ذهنية المسؤول الحكومي.

العلاج الذي يتحدّث عنه الجميع هو الاعتماد على النفس، لكن الخلاف أو الاختلاف هو في آلية وطريق التطبيق.

الآلية الأسهل والأكثر شيوعاً عند الحكومات هي الجباية بهدف تغطية النفقات من الإيردات المحلية، وهنا يدخل الاقتصاد المسكين في مرحلة الركود التضخمي (Stagflation).

وتتضح مظاهرُ هذه المرحلة في ارتفاع البطالة وقلة الإنفاق وتآكل الدخل المتاح (Disposable income) ،وبكل تأكيد سينخفض معدل النمو وهذا المسار سيعيد العقليةُ الحكوميةُ مرة أخرى إلى ذهنية الريع والاقتراض والمنح، وستدفع الشعوبُ ثمنَ ذلك على شكل تنازلات سياسية، وسيتم تبرير ذلك عبر استرتيجات وخطط وهمية غير قابلة للتطبيق ستفضي فقط إلى طحن الهواء دون تغيير الواقع .

أما الحلُ العلميُ الذي يتّفق عليه الأكاديميون وأصحاب العقول الراجحة فهو تحفيز الاقتصاد الانتاجي، وزيادة مساهمة القطاعات وفق مؤشرات قياس أداء واضحة ضمن جداول زمنية محددة.

أنصار هذا الرأي يتساءلون : من هو الذي أوهمنا أن الزراعة تستنفد مياهنا النادرة، وبالتالي نحن بلد غير زراعي؟ رغم أن لدينا أكثر من فصل في نفس الوقت ما بين الغور والشفا.

ثم من هو الذي أوصلنا إلى أن فاتورة الطاقة مرتفعة، وبالتالي فإننا مجتمع غير صناعي، لأنه لا صناعة من غير طاقة؟ رغم أننا كنا رواد صناعة الأدوية والحديد والإسمنت والفوسفات والبوتاس في المنطقة.

ومن هو قاصر الفهم الذي قال إننا بلد غير سياحي معتمد على اضطراب الإقليم وعدم كفاية البنية التحتية؟ رغم أننا نمتلك نقاط فريدة مثل البحر الميت والبتراء وغابات عجلون.

ومن هو الذي ادعى أننا بلد من غير موارد؟ رغم أننا نمتلك خامات النحاس والصخر الزيتي والفوسفات والبوتاس وأملاح البحر الميت وغاز الريشة، ولماذا لا يزال البعض مصرّاً على عدم وجود الريادة لدى شبابنا وهم الذين حصلوا على 28 % من المشاريع الريادية في المنطقة التي نشكّل نحن فقط 3 % من سكانها .

خلاصة القول إننا نحتاج إلى اجتثاث ذهنية الريع من عقلية المسؤول الحكومي، وإننا نريد أن نبني نهجاً جديداً في إدارة الاقتصاد يعتمد على الانتاج والعمل والتحفيز وليس التسول والبذخ، والأهم من ذلك هو أن نؤمنَ بالاشخاص الذين يحملون فكرة الإنتاج، وأن نمكّنهم ونمنحهم الفرصة حتى ولو جاءوا من بادية أو قرية أو مخيم لا أن نحاربهم تحت مسميات متعدده، قد تبدأ من التقليل من مستوى الجامعات التي درسوا بها ولا تنتهي بسجل عائلاتهم التي تخلو من المناصب والألقاب.

* رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق