“المثلث” في “صفقة القرن”: تصور غير واقعي

هلا أخبار – سعيا من الإدارة الأميركية لإعادة ترسيم الحدود في فلسطين التاريخية ودعم إسرائيل في ضم أجزاء من الضفة الغربية بما في ذلك المستوطنات والأغوار وشمال البحر الميت إلى السيادة الإسرائيلية، تنص وثيقة “صفقة القرن” في صفحة رقم 13 على ضم منطقة قرى ومدن المثلث إلى نفوذ السلطة الفلسطينية.

وتقترح الخطة الأميركية، ضم التجمعات السكنية في المثلث، المكوّنة من كفر قرع وعرعرة وباقة الغربية وأم الفحم، وقلنسوة، والطيبة وكفر قاسم والطيرة، وكفر برا، وجلجولية، لسيادة الدولة الفلسطينية المستقبلية، فيما استثنت قريتي جت وقرى زيمر لموقعهما الإستراتيجي والجغرافي المرتفع المطل على الساحل من الجهة الغربية وعلى الضفة من الجهة الشرقية.

جدار الفصل العنصري بين باقة الغربية وباقة الشرقية

وسوغت خطة ترامب مقترح الضم الذي قدم تم مناقشته في السابق من الجانب الإسرائيلي في عهد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، بأن هذه التجمعات التي يقطنها قرابة 300 ألف فلسطيني يحملون الجنسية الإسرائيلية، تعرف نفسها إلى حد كبير على أنها فلسطينية.

وعادت “صفقة القرن” إلى الوقائع التاريخية عقب النكبة، وقالت إن هذه التجمعات السكنية كانت مخصصة لتقع تحت السيطرة الأردنيّة خلال مفاوضات خط وقف إطلاق النار عام 1949، إلا أن إسرائيل استعادتها لاعتبارات أمنية، خفت وطأتها منذ ذلك الحين، وعليه تقترح إعادتها للسلطة الفلسطينية.

إجماع رافض:

وردا على المقترح الأميركي الإسرائيلي، أجمعت مختلف الفعاليات السياسية والحزبية والقوى الوطنية والشعبية والجماهيرية، رفضها لخطة “صفقة القرن” بجميع بنودها ومن ضمنها مقترح ضم المثلث.

وأكدت الفعاليات في المثلث ضرورة حشد الجماهير لتصدي للخطة التي يأتي نشرها في هذا التوقيت كمحاولة من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لتوفير طوق نجاة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي يواجه ملفات تهم فساد وخيانة الأمانة، ومحاولة من الإدارة الأميركية تعزيز فرص فوزه بالانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة.

وينسجم طرح نتنياهو – ترامب لضم المثلث لسيادة السلطة الفلسطينية، مع طرح ومشروع رئيس “يسرائيل بيتنو”، أفيغدور ليبرمان، الذي دعا في السنوات الأخيرة إلى ضم أجزاء من المثلث إلى السلطة الفلسطينية، في إطار تبادل أراض، وذلك بهدف تقليل عدد العرب في الداخل الفلسطيني، وزيادة نسبة اليهود السكانية.

مدينة أم الفحم كبرى التجمعات السكنية في المثلث

تعد منطقة المثلث مصدر قلق ديموغرافي للمؤسسة الإسرائيلية، حيث من المتوقع أن يصل تعدادهم السكاني إلى نحو 500 ألف مواطن يقطنون على مساحة 170 ألف دونم من أصل قرابة مليون دونم كانوا يتملكونها قبل النكبة في مسطحات الأراضي الممتدة من سهل مرج بن عامر مرورا بمشارف حيفا ومنقطة الساحل قبالة الخضيرة وأم خالد (مهجرة – أقيمت نتانيا على أنقاضها) حتى مشارف ملبس (كهجرة – أقيمت بيتاح تيكفا على أنقاضها) وتل أبيب.

وتعتبر منطقة المثلث موقعا إستراتيجيا بالنسبة لإسرائيل، التي شرعت بتهويد المناطق الحدودية وتكثيف الاستيطان بتخوم البلدات العربية، ما يعزز المخاوف لدى السكان بأن المخططات تتعدى التبادل لتصل إلى التهجير والتشريد، وعليه يجمعون على ضرورة التصدي لبنود “صفقة القرن”، تحت مظلة فلسطينية واحدة.

نضال وتصد:

وقال رئيس بلدية أم الفحم، الدكتور سمير صبحي، إن “كل فلسطيني يرفض هذه الصفقة التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، بحيث أن مقترحات التبادل الأراضي والسكاني تندرج ضمن هذه المخططات التي نرفضها كوننا أصحاب الأرض الأصلانيين”.

وأوضح صبحي في حديثه لـ” عرب 48″، أن “المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، يرفض هذه المراوغة الإسرائيلية التي تنظر إليه وتعتبرهم مواطنين مع وقف التنفيذ”، داعيا إلى “رص الصفوف وتوحيد الجهود لخوض نضال مشترك حتى إفشال المخطط ومواصلة النضال لينال الشعب الفلسطيني كافة حقوقه التاريخية التي تنص عليها القوانين والمواثيق الدولية”.

وشكك رئيس بلدية أم الفحم في إمكانية تنفيذ “صفقة القرن” وتحديدا بنود مخطط الضم على أرض الواقع، وعزا ذلك إلى الإجماع الفلسطيني في كل أماكن تواجده على رفض هذه الصفقة التي أبرمت بين ترامب ونتنياهو، وشط غياب تام للمسؤولين الفلسطينيين.

وأكد صبحي رفض الجماهير الفلسطينية بالداخل أن يتم تحويلهم إلى “ورقة انتخابية بيد نتنياهو وترامب وضحية للسياسات والأزمات الإسرائيلية وتصدير أزمات نتنياهو على حساب الوجود الفلسطيني”، مبينا أن “الشعب الفلسطيني وتحديدا بالداخل تعرض بالسابق لمثل هذه المؤامرات والصفقات المشبوهة”.

جغرافيا وديموغرافيا:

ذات الموقف عبر عنه رئيس اللجنة الشعبية للأرض والمسكن في وادي عارة، أحمد ملحم، لافتا إلى أن ورقة الضم “قديمة جديدة” يتم التلويح بها كلما اشتدت الظروف على قادة الأحزاب اليهودية وتعمقت الأزمات في إسرائيل، معتبرا أن ما يتم في هذه المرحلة المفصلية من إشهار هذا السلاح العدواني بوجه الشعب الفلسطيني تحت مظلة إعادة ترسيم الحدود وصراع الديموغرافي، يأتي للتخلص من أكبر عدد من العرب.

وأكد ملحم لـ”عرب 48″ أن “صفقة القرن” لا تقتصر على الحدود والجغرافيا فقط، بل على الديموغرافيا بالأساس، ويأتي التبادل وضم المثلث للتخلص من نحو 300 ألف عربي يقطنون التجمعات العربية في المثلث على مساحة أرض لا تتعدى 170 ألف دونم، علما بأنهم كانوا يملكون قرابة مليون دونم صادرتها وسلبتها إسرائيل منهم على مر العقود.

وعن احتمالات تطبيق الصفقة، قال ملحم “بات واضحا أن إسرائيل هي من يتحكم وصاحبة السيادة على الأراضي في كل فلسطين التاريخية، وبالتالي ليس مستبعدا الشروع في تطبيق أجزاء من بنود ‘صفقة القرن‘ التي تنص على فرض السيادة الإسرائيلية على مزيد من الأراضي، وليس التنازل عن أراضي، فإسرائيل تريد الأرض بدون العرب”.

صراع وحسم

وعلى المستوى الجماهيري، يرى رئيس اللجنة الشعبية في باقة الغربية، الشيخ خيري إسكندر، ضرورة أن “يتم توحيد النضال الفلسطيني بكل أمكان تواجدهم ضمن كتلة فلسطينية واحدة وبضمنهم الداخل الفلسطيني الذي ما زال صمام الأمان للقضية الفلسطينية”.

وشدد على ضرورة حشد الجماهير في كافة الأماكن بفلسطين التاريخية والشتات، والعمل بموجب خطوات احتجاجية منسقة ومشتركة ورفع سقف الطلبات وعدم الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار، معتبرًا أن “خطة ترامب تأتي لحسم الصراع لصالح إسرائيل، وشطب كافة حقوق الشعب الفلسطيني، وهو المخطط الذي يرفضه أصغر طفل فلسطيني”.

ويعتقد إسكندر أن توقيت نشر “صفقة القرن” يأتي لخدمة أهداف انتخابية لنتنياهو وترامب على حساب القضية الفلسطينية والترويج لكل منهما في بلده وأمام ناخبيه على أنه حقق إنجازات سواء من وجهة النظر الصهيونية بفلسطيني التاريخية أو من وجهة النظر الأميركية في الشرق الأوسط.

منظر عام لمدينة باقة الغربية

ولفت في حديثه ل “عرب 48” إلى أن “مقترحات ضم التجمعات السكنية في المثلث، ما هي إلا محاولات إسرائيلية لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها واقتصارها على تجمعات سكنية وغيتو تتواجد بين البحر والنهر”.

وبشأن مقترحات ضم قرى ومدن المثلث، قال إسكندر “فلسطين بالنسبة لنا في كل مكان، وبالتالي إذ كان هذا مقترحهم نحن نطالبهم بأن يعيدوا لنا مئات آلاف الدونمات من أراضي التي صودرت من أهالي المثلث في النكبة وحرب 1967، وأقيمت فوقها مشاريع استيطانية وتهويدية، ومن ثم نتحدث عن باقي بنود صفقة القرن”.

ذات الموقف عبر عنه سكرتير التجمع الوطني في المثلث، جمال دقة، وهو لاجئ، حيث حطت بعائلته مخططات التشريد والتهجير عن قريتهم قاقون وأراضيهم التي كانت تصل حتى مشارف الخضيرة وقيسارية، في مدينة باقة الغربية عند حدود الرابع من حزيران/ يونيو عام 1967، قائلا “إذا كانت القضية مسألة ضم فليضم المثلث والجليل والساحل والنقب”.

لكن دقة يجزم في حديثه لـ”عرب 48″ أن مخطط الضم القديم الجديد وطرحه بهذا التوقيت قبيل الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات الرئاسة الأميركية، وعدا عن كونه محاولة للكسب الانتخابي سواء لنتنياهو أو لترامب، وفرض وقائع جديدة بالضفة والأغوار، إلا أن “صفقة القرن” التي تعتبر ملحقا لاتفاقية أوسلو، تأتي لتكريس السيادة الإسرائيلية على فلسطين التاريخية و”الضحية كما في كل مخطط هم الشعب الفلسطيني”، وفقًا لأقوال دقة.

منطقة الشعراوية والنزلات قضاء طولكرم عند حدود 4/6/1967

ويرى دقه أن “صفقة القرن”، وخلافا لمخططات ومقترحات تسوية سابقة تعتبر الأخطر، “كونها تأتي في مرحلة مفصلية وفي سياق ظروف إقليمية وتآمر بعض الأنظمة العربية على الشعب الفلسطيني، حيث أن الإعلان عن الصفقة بحضور سفراء الإمارات والبحرين وعمان، كان أشبه بحفر القبر لوأد القضية الفلسطينية”.

وشدد دقة على ضرورة تصعيد النضال الجماهيري والشعبي لمواجهة مخطط الضم الهادف لتصفية القضية الفلسطينية، لافتا إلى أن “صفقة القرن” بحال فرضت بالقوة ستكون المسمار الأخير في نعش القضية الفلسطينية، “كونها ستمنح كافة الامتيازات والسيطرة والهيمنة لإسرائيل على كافة الأراضي العربية المحتلة وليس فقط على فلسطين”.

ضم وعودة:

وعلى غرار مقترح “صفقة القرن” بضم التجمعات السكنية في المثلث، يرفع رئيس لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين بالداخل، المهندس سليمان فحماوي، وهو مُهجر من قرية أم الزينات قضاء حيفا ويسكن في أم الفحم، سقف مطالب الفلسطينيين بضم الجليل الأعلى والساحل والنقب و530 قرية فلسطينية مهجرة إلى سيادة السلطة الفلسطينية وعودة اللاجئين.

وأوضح فحماوي لـ”عرب 48″ أنه بالنسبة لفلسطينيي 48 فإن “صفقة القرن” مرفوضة ووجب التصدي لها تحت قيادة نضالية مشتركة لكافة الفلسطينيين في كل أمكان تواجدهم، مؤكدا أن “كل فلسطيني بالداخل لا يعترف بهذه الصفقة الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية”.

وتساءل فحماوي، مَن خَوّل ترامب أو نتنياهو بتحديد وتقرير مصير الشعب الفلسطيني؟، قائلا “ترامب الذي نصب ذاته ملكا على العالم يريد التلاعب بمشاعر ومصير الشعوب وبضمنهم الشعب الفلسطيني، لكن ترامب يتواجد اليوم لكنه غدا زائل، كما نتنياهو”.

ويعتقد فحماوي أن “صفقة القرن” ورغم خطورتها على مستقبل القضية الفلسطينية سيكون من الصعب تنفيذها على أرض الواقع بسبب الإجماع الفلسطيني الرافض لها وإن دعمته دول عربية وخليجية، لافتا إلى أن “الصفقة وهمية وتأتي لخدمة مصالح نتنياهو والإبقاء عليه بالحكم وكذلك توظيفها بالانتخابات الرئاسة الأميركية على أنها إنجاز لترامب”.(عرب 48)





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق