ماذا تعني “مواقف الأردن الثابتة” من القضية الفلسطينية؟

هلا أخبار- يؤكد جلالة الملك عبد الله الثاني مجدداً للرئيس الفلسطيني محمود عباس صباح الجمعة على مواقف الأردن الثابتة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وأن لا تغييراً قد طرأ عليها.

يخرج البعض مطالباً من الحكومة الأردنية بأن تُعلن “موقفاً واضحاً” من “صفقة القرن”، ولا يُفهم “مراد” هذه المطالبة إلّا إذا كانت العبارات المناكفة الموجهة للداخل قد نفدت فأعيد تدوير مطالبات سابقة من دون تفحيص واقعي للموقف الرسمي.

يحق لأي تيار أن يسابق محلياً بأي ملفٍ ويناور في المطالبات بمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والخدمية والاجتماعية، لكن في القضية الفلسطينية من غير المنصف أن يماري أحدٌ ذلك الموقف الرسمي الشفاف فيتخطاه، وتحديداً الموقف الملكي الذي كان متقدماً على أي نداء وسابقاً لأي طرح.

من دون مواربة ولا مجاملة فالموقف الرسمي واضح لا يقبل التأويل أو التفسير، وإن تأكيد الأردن على “مواقفه الثابتة” لخّصها جلالة الملك في حديثه مع عباس خلال مكالمة هاتفيّة الجمعة وتشدد على “إقامة دولة فلسطين المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لتعيش بسلام مع دول المنطقة كافة وفقا لحل الدولتين”.

يُؤكد الملك على أن الأردن سيستمر بالسعي لتحقيق السلام الشامل والعادل، الذي ترضى عنه شعوب المنطقة، طبقاً للشرعية الدولية، وقال جلالته إنه “سيمضي بالتنسيق الوثيق مع الأشقاء الفلسطينيين والعرب، والعمل مع المجتمع الدولي، للتعامل مع المرحلة المقبلة”.

يُفهم من سياق الحديث أن الموقف الرسمي الأردني يختلف تماماً مع جوهر ما طُرح في “صفقة القرن”، فلا يوجد موقف أوضح من ذلك، فالتأكيد الأردني على إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية، يعني رفض أي ضم للأغوار وشمال البحر الميت تحت السيادة الإسرائيلية، ويرفض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ويرفض إقامة المستوطنات أولاً ومن ثم يرفض ضمها تحت السيادة الإسرائيلية ثانياً، ويعني الموقف الأردني رفض أن تكون القدس عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل.

المواقف الأردنية الثابتة، تعني بالتأكيد رفض تصفية وكالة غوث اللاجئين “الأنوروا” وقد دافعت المملكة بشراسة في المحافل الدولية من أجل بقاء الوكالة واستمرار عملها وديمومته، وهو يعني رفض شطب (حق العودة للاجئين والتعويض).

والأردن وهو يؤكد على أهمية إقامة سلام طبقاً للشرعية الدولية فإنه يعني العودة والالتزام بكل القرارات الصادرة عن الهيئات والمنظمة الدولية بما فيها قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، والتي تؤيد وتتسق جميعاً “المواقف الأردنية الثابتة” التي ذُكرت سابقاً.

يتندر البعض من تكرار الأردن لاستخدام عبارة “المواقف الثابتة” و”المصالح العليا”، لكن في حقيقة الأمر فإن هذه العبارات وغيرها في قاموس الدبلوماسية الأردنية والمبادىء الثابتة الراسخة تشكل المواقف التي من شأنها الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني، والتي ترغب أطراف أخرى بأن “يتزحزح” عنها الأردن ويغيره موقفه منها.

“المواقف الثابتة” تنصهر بمفهوم “اللاءات الملكية الثلاث” والتي كانت واضحة وضوح الشمس، حيث قال جلالة الملك في (أذار 2019م)  أمام قيادات عسكرية وأمنية “كلا للتوطين، كلا للوطن البديل، كلا على القدس”، وهي المواقف التي يجب أن تحظى بالدعم والتأييد.

الملك في حينها أتبع حديثه بالتساؤل “أوضح من هيك ما بعرف كيف أتحدث!”، مشدداً على أنه من المستحيل أن يتخلى “كهاشمي” عن القدس، وعاد جلالته الأسبوع الماضي ليرفع شعار (كلا) وقبل يومين من إعلان “صفقة القرن” ليجيب مواطناً عقباوي “موقفنا معروف جداً وكلا واضحة جداً للجميع”.

صحيح أن بيان وزارة الخارجية صيغ بلغة دبلوماسية وهذا أمر متوقع، لكن السؤال “هل ابتعد الأردن ولو بسطرٍ واحدٍ عن مواقفه الثابتة من القضية وأعلن عن أي تنازل؟”، فالبيان بلور “لاءات الملك” بلغة الشرعية الدولية لمخاطبة العالم، ويبدو أنه أعدّ مسبقاً فجاء بعد فترة وجيزة من إعلان خطة السلام ويُستخلص منه لأي عينٍ مُستبصرة أن الأردن لم يحد درجة واحدة عن “مواقفه الثابتة”.

قبل إعلان “خطة السلام” كانت المطالبات تتمحور بأن لا يتخلى الأردن عن ثوابته إزاء القضية وأن لا يقبل ببنود لـ “تصفية القضية الفلسطينية”، وهو الذي حصل في نهاية المطاف وكان معروفاً من الإشارات المسبقة أن نتائج الموقف الأردني ستؤول إلى هذه النتيجة، والذي حظي بإشادات واسعة فلسطينياً وعربياً.

ومن يتابع التصريحات التي صدرت عن رئيس الوزراء عمر الرزاز قبل وبعد إعلان خطة السلام فإنه ينسجم تماماً مع الموقف الملكي، فقد أطلق تصريحات يوم الأحد الماضي تؤكد على ثبات الموقف الأردني قبل أن يعود ويشدد في تغريدة له بمناسبة عيد ميلاد جلالة الملك بـ”أننا متمسكون باللاءات الحاسمة”.

وخرج الرزاز في سلسلة تصريحات متلفزة وإذاعية ليؤكد أن “الثوابت التي أعلن عنها سيدنا في كل المحافل الدولية والزيارات الخارجية حول التمسك بالشرعية الدولية والالتزام بها وقيام دولة فلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية لم تتغير”.

وقال إن “لاءات الملك التي أطلقها جلالته وسمعها العالم هي موقف ثابت لا يتغير، ويعكس وحدة الصف الاردني”، مشيراً إلى أهمية أن ينظر بفخر لـ”موقف لا يتقلب ولا يتغير ولا يخضع لمساومة حتى في هذه المراحل الصعبة”.

ودعا الرزاز إلى الالتفاف حول القيادة للوقوف في وجه أي تحديات، مؤكداً على أهمية عدم السماح لشق الصف وقال “فنحن أحوج ما نكون في هذه المرحلة لوحدة وطنية حقيقية، ونعمل بجد نحو تحصين الوطن سياسياً واقتصادياً، وهذا يتطلب مكاشفة ومصارحة حول كل الأمور، لكن ثوباتنا لن نتخلى عنها”.

وقال الرئيس “موقفنا الثابت الذي لا يتغير ويعبّر عنه الملك أننا ضد التوطين وفي الحفاظ على القدس منسجمة مع مصلحتنا العليا وبالالتزام التاريخي للهاشميين والأردن في القضية الفلسطينية، فنحن أرض الحشد والرباط”.

وشدد الرزاز على أننا “نقف صفاً واحداً بكل قضايانا المصيرية، وهو موقف يرفع الرأس أمام الجميع، وما يقوينا الرسائل الواضحة الثابتة سابقاً ولاحقاً حول الأولويات الأردنية الثابتة التي تخدم المصالح الأردنية العليا”.

ورغب الرزاز بالإشارة إلى أن التزاماتنا التاريخية تجاه القضية الفلسطينية “هي ثوابت والكل صار يعرف أن لا تراجع ولا تنازل عن هذه الثوابت ونحن نسير بخطة واضحة لحماية المصالح الأردنية”.

وأشاد بوقفة الناس وقال “مع كل الضغوط والحيثيات على المنطقة، يرى الجميع موقف الأردن الذي يتسق مع مواقفه الثابتة وحينما نقول لاءات الملك فإنه يعطينا الشعور أن لدينا أرضية راسخة، وهذا الموقف الأردني أصبح واضحاً ولا يستطيع أحد أن ينال منه، وحينما نكون صفاً واحداً لا يستطيع أحد المزاودة علينا”.

وحاول البعض خلال فترة ما قبل إعلان “صفقة القرن” الترويج لفكرة أن الأردن قد يقبل بسياسة “الفرض” والضغط عليه لتغيير مواقفه والقبول بمضامين خطة “السلام”، بيد أن الشهور الأخيرة كفيلة بالإجابة على تلك الطروحات.

لقد رفض الأردن أي خطوات أحادية الجانب تقوّض من حظوظ إقامة دولة فلسطينية على حدود 67، كما أعلن رفضه لاعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ورفض نقل سفارة واشنطن إليها، بل قاد تحركات عربية ودولية للحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية في المحافل المختلفة وحلها على أساس الشرعية الدولية.

ومن الأجدى أن لا يكون هنالك تلاوم داخلي وترك إدارة الملف الذي يقاد رسمياً باقتدار ضمن موازين دقيقة وحساسة، وأن يكون الشارع عامل ضغط مساند للموقف الأردني لا عامل ضغط عليه، بخاصة أن الأردن مستهدف وقد شهد خلال الشهر الذي سبق إعلان صفقة القرن حملة تشويه عبرية طالت نظام الحُكم لم تخلُ من الهجوم عليه ومحاولة التشتيت وبث الفتن في داخل المملكة.





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق