التغيير بالقوة الجبرية

كتب: فايز الفايز

في العالم العربي هناك أوضح مثال لعجز اليد الشعبية على قدرة التغيير أو التخلص من المستعمرين أو الدكتاتوريات التي تسللت عبر الانقلابات العسكرية، وأوضح مثال في التاريخ الحديث كانت الجزائر التي بقيت محتلّة من الاستعمار الفرنسي 132 عاما، رغم أن الجزائريين من أشجع وأصلف الشعوب، وبقي الجهاد ضد فرنسا متواصلا رغم ملايين الشهداء دون تحرير، الى أن طرح القائد شارل ديغول مشروع استفتاء لاستقلال الجزائر كدولة متعاونة الذي أفضى لإعلان الاستقلال عام 1962.

والى مصر التي تكالبت عليها الغزوات من الفرنسيين أولا الى الإنجليز 72 عاما، حتى في ظل الحكم الممتد للأسرة الحاكمة الألبانية، لم يستطع المصريون انتزاع إرادتهم حتى عام 1953 بانقلاب قادة العسكر بقيادة محمد نجيب قبل أن ينقلب عليه رفاقه ويقود جمال عبدالناصر مصر تحت الحكم العسكري ويدخل ثلاثة حروب أسوأها حرب اليمن وأخطرها حرب1967، ومثلهم الإنقلابات المتتالية في العراق بعد حكم الملوك، وفي اليمن وليبيا وسوريا قبل أن تستتب لحكم الأسد، مع التباين في الاستقرار الذي حفلت به بعض تلك الدول التي نزعت الى المدرسة الاشتراكية، ولكن غالبيتها بقيت متقهقرة في جانب حقوق الإنسان والحريات العامة لحساب أمن النظام.

في عالمنا العربي لم ينجح التغيير السلمي في أكثر ما نعرف من دول إلا بالانقلابات العسكرية التي تتالت انقلاباتها على بعضها، وفقط بالدم والتدمير، وإذا كان استخدام السلاح والقوة هو الخيار الأخير لمن أراد التغيير فإن النتائج دوما تخيب الظن، فالتغيير الجبري سيكون أشبه بالزواج الجبري ونهايته الطلاق أو الانتحار، وما زلنا اليوم نواكب ما حدث خلال عشر سنوات مضت على ما أسموه بالربيع العربي، فأي بلد منهم حقق ما يريد بالحرب والسلاح والتدمير، وهذا لا يعني الاستسلام للواقع، بل هو تحفيز لأن يأتي التغيير من القاعدة، فمتى وضعت الأحزاب السياسية دستور ظل أو مقترح قوانين أو اتفاقاً على مبدأ ويتم طرحه بطرق سليمة.

هنا يظن البعض أن التغيير يمكن أن يحدث في ليلة وضحاها، ولكن ذلك لن يحدث في ظل مجتمعات تأصلت فيها التربية المدنية والاتكالية على القطاع العام وغياب الوعي السياسي المنتج أو أحزاب تقدمية تقود الفكر لآفاق مستقبلية متحررة من عجز وتقهقر الماضي الذي أورثنا التذمر من بعضنا البعض والتعالي على الآخر والنفاق لأجل الحاجة، ورغم الفرصة الذهبية لانتاج مجالس تمثيلية عبر البرلمان فإننا نرمي مبدأ الأفضل ونعود لمبدأ الأقرب، والى مربع القطيع والتحالف العائلي، لهذا نجد أن زمن القوة الجبرية يجب أن يخرج من عقول العامة قبل الخاصة الحاكمة.

عالمنا العربي يجب أن ينزع عقلية حب السيطرة وقمع الآخر وإذلال الخصوم وطرد أي إنسان بناء على لون بشرته أو لحن لسانه، وهذا لم يحدث في تاريخ صدر الإسلام ولا نهاية عصر الخلافة العربية في شبه الجزيرة الأيبيرية المشهورة بالأندلس، بل إن اليهود الذين شردت بهم أوروبا لم يجدوا السلام والأمن ووظائف الدولة العليا إلا في ظل الخلافة الأموية في الأندلس، وبعد تشريدهم من الإسبان وجدوها تحت عباءة العثمانيين قبل أن يغدروا بها.

من هنا علينا أن نُغير في نهجنا السياسي قبل أن يغيرنا المستقبل المظلم ونتشظى أكثر، فالحب والحرب يفرقهما حرف واحد.

 

الرأي





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق