ما يصلح لبلدنا هو «التوافق» فقط

في وقت مضى كانت «الاهتزازات» التي تصيب «باروميتر» النخب تشكل مقياسا لحجم التحولات السياسية والاجتماعية ومدى تأثيرها على المجتمع والدولة، آنذاك لم تكن ثمة هواجس من انتقال هذه العدوى إلى أوساط التجمعات الأخرى، سواء أكانت في قطاع العمال او الموظفين او الشباب، لكن ما حدث منذ نحو عشرة أعوام على الأقل قلب هذا «المنطق» السائد، بحيث شهدنا استقرارا نسبيا في منطقة «النخبة» وحركة غير مألوفة في المناطق الأخرى، وشهدنا أيضا أنواعا جديدة من التحالفات «النخبوية» في مقابل إرهاصات لتحالفات «شعبية» من نوع جديد، ومع أن الكثيرين منا لم ينتبهوا لطبيعة (التربة) التي خرجت منها هذه التحولات، ولم يضبطوا «لواقطهم» الحساسة على إيقاعاتها إلا أن تصاعد حضورها وتنامي امتداداتها(خاصة على وسائل الفضاء الافتراضي وفي الشارع أيضا ) دفع البعض إلى التأمل فيما يحدث، لكن التأمل -بالطبع – لا يكفي، كما أن مواجهتها بمنطق الاتهام او التحدي لا يفيد.

هذه – بالطبع – فرصة للتذكير بضرورة استعادة الدولة لهيبتها، فهيبة الدولة لا تفرض بالقوة، ولا بالقانون أيضا، وإنما تتحقق حين يشعر الناس بالعدالة والأمن، وحين تتوافق إرادتهم مع إرادة القرارات المتعلقة بإدارة شؤونهم، وحين يصبح «الفاعلون» في حقل السياسية جزءاً من الدولة، والدولة إطار يضبط حركة الجميع، وعندها تتحول العلاقة بين الدولة ومكوناتها من دائرة «الاكراهات» السياسية والاجتماعية الى دائرة «الخيارات» المفتوحة على السماحة والتقدير المتبادل، وعلى الحرية والامتثال الحقيقي أيضاً.

الحكم – إذن – على عافية الدولة يستند في الأساس إلى «قدرتها» على خلق حالة من «الانسجام» بين مكوناتها ومع محيطها أيضاً، اما إحساسها بالانتصار على أحد مكوناتها أو انجرارها الى «فخ» التقسم وتوظيفه سياسياً أو اجتماعياً للسيطرة على المجتمع، فهو أقصر طريق «لافتقاد» الهيبة واختلال الوزن، وغياب «التوافق» بين القوى السياسية المناط بها «ضبط» إيقاع الناس وتحسين المزاج العام وتعزيز «مشروع» البناء للدولة، بدل الاعتذار عن المشاركة فيه، أو محاولة «هدمه» وإعاقته.

في هذا السياق، من واجبنا أن ننتبه إلى أن مشروع «بناء» الدولة في عالمنا العربي يتعرض لخطر التفويض والانحراف، والى ان «حالة» الانقسام بين الدولة والمجتمع تحمل بذور «الفشل» للاثنين معا، وبالتالي فان من الخطأ استنساخ مثل هذه التجارب أو محاولة «تقمصها»، لا أتحدث هنا – فقط – عن «الثنائيات» و الصراعات المفتعلة على الهوية بين أبناء المجتمع الواحد، ولا عن أجواء الكراهية التي يريد الإعلام «المجنون» ان يؤسس لها داخل مجتمعاتنا، ولا عن «الخيبة» من النخب التي اشغلها الصراع على «السلطة» عن مسألة «الدولة» وضرورات الحفاظ على مكوناتها، وإنما أشير فقط الى ان لدينا فرصة ثمينة لتجاوز كل هذه الإشكاليات، وذلك استناداً الى عاملين: احدهما ان بلدنا، تاريخياً وسياسياً، كان طارداً لمثل هذه «الثنائيات» والاشتباكات، وان الوقوع فيها هو محاولة «لمعاندة» سيرورة التاريخ والسياسة معاً، وبالتالي فان أي دعوة لفرض هيبة الدولة بالقوة، أو «إسكات الخصم» بالإقصاء، أو إخضاع المجتمع بالتخويف من الانقسام لن يكتب لها النجاح أبداً.

أما العامل الثاني فهو أن تجارب الآخرين من حولنا تقدم لنا «بروفات» مجانية لما يمكن ان نفعله ونتجنبه، وباختصار شديد فإن ما يصلح لنا هو «التوافق» فقط، واعتقد ان الأطراف الفاعلة في حياتنا السياسية تدرك هذه الحقيقة حتى وان غابت عنها في لحظات الإحساس بالانتصار أو الانكسار، ومن واجبنا ان نغذي هذه التوجه من خلال البحث عن مزيد من «المشتركات» والجوامع والتسويات، وان نأخذ مسألة «بناء» الدولة ومشروع إصلاحها بشكل جدي، بحيث لا نراهن – مثلا – على ما حدث حولنا في الدفع «للتغطية» على أوضاعنا وتجميد مسيرتنا، وإنما لا بد أن نقتنع تماماً بأن بلدنا يمتلك الفرصة والقدرة على إنتاج نموذج مغاير «للدولة» الناجحة، الدولة التي تستطيع أن تنسجم مع ذاتها ومكوناتها ومع محيطها أيضاً.

 

الدستور






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق