حول التنمية الإدارية وتطوير الأداء المؤسسي

فخري الطوال

مراقبة وتطوير الأداء الحكومي والقطاع العام والإجراءات الإدارية هي من أهم متطلبات المرحلة الحالية، وشدد جلالة الملك على ذلك في العديد من المناسبات، ومؤخرًا أطل علينا جلالته غاضبًا، والتزم دولة رئيس الوزراء علنًا بالقيام بـ “ثورة” في هذا الشأن، وهنا وجب تتبع تاريخ الجهات المناط بها القيام بهذه المهام منذ تأسيس معهد الإدارة العامة الذي أطّر لوجود كفاءات قادرة على إدارة القطاع العام، وصولًا إلى الحكومات واجتهادات رؤسائها في عهد الملك عبدالله الثاني، وحتى يومنا هذا، ليصار إلى تكوين إطار عام لما استجد في هذا الملف على مدى إثنين وعشرين عامًا.

في العام 1968، تم استحداث وإنشاء معهد الإدارة العامة، كمؤسسة حكومية تتولى مهمة تنمية الموارد البشرية في القطاع العام من خلال تقديم التدريب والدراسات والاستشارات في المجالات الإدارية والمالية وتكنولوجيا المعلومات، وفقًا لرسالة مفادها إيجاد فهم مشترك لمبادئ الادارة العامة الحديثة ونشر المعرفة وإكساب المهارات والاتجاهات حول أفضل الممارسات وكيفية تطبيقها في كافة مجالات العمل من خلال التدريب وبناء القدرات وتقديم الاستشارات وإعداد الدراسات للارتقاء بالأداء الفردي والمؤسسي، حيث تتلخص مهام المعهد وواجباته في بناء القدرات المؤسسية والوظيفية للارتقاء بأداء القطاع العام والربط بين متطلبات سوق العمل ومخرجات النظام التعليمي من خلال تطوير البرامج التدريبية والعملية المتخصصة ومواءمتها مع متطلبات سوق العمل المحلي والخارجي.

ومن الجدير بالذكر بأن الأردن، وتحديدًا خريجي معهد الإدارة العامة، نجحوا باستحداث وإنشاء معاهد للإدارة العامة في دول الخليج العربي الشقيقة، وأصبحت المعاهد التي أنشئوها ودربوا القائمين عليها من المعاهد الرائدة في المنطقة والإقليم، وارتقت بالإدارة العامة في الدول التي وجدت فيها، وبالتوازي، شهد الأردن حالة من التردي والضعف في الإدارة العامة بحيث أصبحت المعاهد التي انشئها الأردنيون تتفوق على نظيرها الأردني، بالتزامن مع حالة من عدم الاستقرار على مدى الفترة الزمنية للحكومات المتعاقبة من ناحية إيجاد “رأس للنبع” توكل إليه مهام الارتقاء بالقطاع العام والشؤون الإدارية، والذي كان له أثر مباشر نلتمسه اليوم عند محاولة مواجهة الترهل الإداري الذي نخر كافة مفاصل الدولة.

كان في حكومة السيد عبد الرؤوف الروابدة وزارة للتنمية الإدارية، ومن بعده ألغيت الحقيبة، حيث قام المهندس علي أبو الراغب في حكومته الأولى بتعيين وزير دولة لشؤون التنمية الإدارية، ومن ثم في حكومتيه الثانية والثالثة عادت لتصبح وزارة بحقيبة، ليكون لديه وزير للتنمية الإدارية في الحكومتين، وبقي الحال كذلك في تشكيل حكومة السيد فيصل الفايز، ومن ثم ألغيت الحقيبة وتم تعيين وزير دولة لتطوير القطاع العام في التعديل الأول لحكومة الفايز، رغم تعيين مروان المعشر نائبًا لرئيس الوزراء (ليصبح للرئيس نائبان في حينه) ووزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء ومراقبة الأداء الحكومي، والتي كان يفترض أنها من مهام وزير الدولة لتطوير القطاع العام، واستمر الدكتور عدنان بدران على نفس المسمى فقام بتعيين وزير دولة لتطوير القطاع العام ووزير دولة آخر لمراقبة الأداء الحكومي. وفي حكومة الدكتور معروف البخيت الأولى، قام بتعيين وزير لتطوير القطاع العام، أي أنه أعاد الحقيبة الوزارية، وبقي الحال كما هو عليه في حكومات نادر الذهبي وسمير الرفاعي الأولى والثانية ومعروف البخيت الثانية وعون الخصاونة وفايز الطراونة وعبدالله النسور الأولى والثانية وهاني الملقي الأولى والثانية وعمر الرزاز، إلى أن قام الدكتور بشر الخصاونة بتعيين وزيري دولة عند تشكيل حكومته، أحدهم لشؤون المتابعة والتنسيق الحكومي، والآخر لتطوير الأداء المؤسسي، وهنا يحق لنا التساؤل حول سبب التراجع باستحياء عن تسمية “القطاع العام” واستبداله بـ “الأداء المؤسسي”، ومن ثم وفي التعديل الثاني لم يقم الخصاونة بتعيين وزير يحل محل وزير الدولة لتطوير الأداء المؤسسي المستقيل، ولم يقم بتعديل مسمى وزير الدولة لشؤون المتابعة والتنسيق الحكومي ليشمل ضمن مهامه تطوير الأداء المؤسسي، أو كما نرجو، تطوير القطاع العام.

في ظل هذا التغير الدائم في المسميات، خصوصًا وأن تلك المسميات هي لأعضاء مجلس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية وتلك المسميات هي التي ترسم وتحكم مهامهم، نتساءل، كيف لنا أن نرتقي بقطاعنا العام وكيف لنا أن نعالج الترهل الإداري الذي بات بحاجة لـ “ثورة”، ونحن لم نستقر على مدى 22 عامًا على مسمى لمن سيقوم بذلك العمل؟ ولم تم التراجع عن “التنمية الإدارية” وعن “تطوير القطاع العام”؟ ولمن أسندت هذه المسؤولية في ظل غياب وزيرها؟

هذا التخبط وعدم الاستقرار في المهام والمسميات، وعدم إيلاء معهد الإدارة العامة العناية والرعاية الرسمية اللازمتين هم سببان رئيسيان وراء ما نراه من سوء في الإدارة، وهذه المعطيات هي ما استغله المنتفعون ليعيثوا بمؤسساتنا الفساد، ولا حل لمشكلتنا دون قوننة لعمل ومهام وزارة تعنى بهذا الشأن وضمان استمراريتها، ودون دعم معهد الإدارة العامة وإطلاق يده من ناحية التعيينات وإعطائه مرونة في منح الرواتب والأجور، وفقًا لأسس ومعايير توضع لتقييم القائمين عليه، ليصار لاحقًا إلى الاستفادة من النخب التي يخرجها هذا المعهد الذي له تاريخ مشرف.

 

فخري الطوال





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق