الإصلاح السياسي: من أين نبدأ؟ 2/3

كتب الدكتور نوفان العجارمة

(التعديل الدستوري وأثره في الإصلاح السياسي)

إن مفتاح الديمقراطية وبداية الإصلاح السياسي، ومن ثم الارتقاء بالمجتمع إلى مصاف الدولة المتقدمة حضارياً، هو صندوق الانتخاب.

فكلما كان الصندوق معبراً تعبيراً حقيقياً وصادقاً عن إرادة الناخبين، ومجسداً لعملية انتخابية حرة ونزيهة وشفافة، كلما أمكن القول أننا نعيش ديمقراطية حقيقية.

ومن هذا المنطلق، ومن واجبي الوطني كأكاديمي أن أقول كلمة بشأن التعديل المطلوب لعلها أن تضيف جهداً بسيطاً إلى جهود اللجنة الوزارية التي شكلتها حكومة دولة الدكتور بشر الخصاونة لإعادة النظر في كافة التشريعات الناظمة للحياة السياسية.

وسوف أخصص هذا المقال للتعديل الدستوري المطلوب وأرجئ الحديث عن التعديل التشريعي إلى مقال لاحق.

ويُعد الدستور القانون الأسمى في الدولة، ويشكل سنام النظام القانوني فيها، وهو كغيره من القوانين يقبل التعديل والإلغاء، فهو ليس كتاباً مقدساً لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، فالدستور يضع القواعد الكلية أو الأساسية للدولة وفقاً للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة عند وضع القاعدة الدستورية، ومتى تغيرت هذه الظروف، لابد من تعديل القاعدة الدستورية حتى تتلاءم والظروف والمستجدات التي طرأت على هذه الأوضاع، فالدستور خاضع لسنة التطور التدريجي ولا يمكن تصوره ثابتاً أو جامداً عند زمن معين.

وأعتقد أن التعديل الدستوري مطلوب في هذه المرحلة، لسببين – الأول: لطمأنة الكثير من الناس والذين ينظرون نظرة شك وريبة للجهود الحكومية بهذا الصدد، والثاني: سبب عملي لأن كثير من الاقتراحات المتعلقة بالإصلاح السياسي تتطلب بالضرورة تعديلاً دستورياً، وكما يلي:

أولاً: نظراً لأن المشرع الدستوري حدد نطاق عمل السلطة القضائية وكذلك السلطة التنفيذية بشكل واضح ومباشر ولم يحدد نطاق عمل السلطة التشريعية بشكل محدد، ولكن يفهم من نصوص الدستور مجتمعة بأن مجلس الأمة يتولى سلطة التشريع والرقابة.

فلابد من تعديل المادة (25) من الدستور بحيث تضاف العبارة التالية إلى عجز تلك المادة ((…ويمارس مجلس الأمة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وعلى النحو المبين في الدستور)) بحيث يكون نص المادة كالتالي: ((تناط السلطة التشريعية بمجلس الأمة والملك ويتألف مجلس الأمة من مجلسي الأعيان والنواب ويمارس مجلس الأمة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وعلى النحو المبين في الدستور)).

ثانياً: تنص المادة (67) من الدستور على ما يلي:

((1. يتألف مجلس النواب من أعضاء منتخبين انتخاباً عاماً سرياً ومباشراً وفقاً لقانون للانتخاب ويكفل الأمور والمبادئ التالية: أ. حق المرشحين في مراقبة الأعمال الانتخابية. ب. عقاب العابثين بإرادة الناخبين. ج. سلامة العملية الانتخابية في مراحلها كافة.

2. تنشأ بقانون هيئة مستقلة تدير الانتخابات النيابية والبلدية واي انتخابات عامة وفقاً لأحكام القانون، ولمجلس الوزراء تكليف الهيئة المستقلة بإدارة أي انتخابات أخرى أو الإشراف عليها بناء على طلب الجهة المخولة قانوناً بإجراء تلك الانتخابات)).

وهذا النص يحتاج إلى تعديل بحيث يتمكن المشرع من اختيار النظام الانتخابي الذي يريد، إضافةً إلى دسترة المبادئ التي يقوم عليها قانون الانتخاب بحيث لا يقتصر تحديد عدد النواب على عدد الناخبين (الديمغرافية) بل يتم الأخذ بعين الاعتبار للعامل الجغرافي والعامل التنموي والمقاعد المخصصة للمرأة، إضافةً إلى تحديد الحد الأدنى لأعضاء المجلس ونقترح أن يكون النص كالتالي: تعديل مطلع المادة (67) بحيث يكون كما يلي:

1. يُشكل مجلس النواب من عدد لا يقل عن (100) مئة عضو، يُنتخبون بالاقتراع العام السري المباشر، على أن يُخصص للمرأة عدد من المقاعد وفقاً لقانون للانتخاب، ويُبين القانون نظام الانتخاب وتقسيم الدوائر الانتخابية بما يُراعي التمثيل العادل للناخبين والمحافظات، ويجوز الأخذ بالنظام الانتخابي الفردي أو القائمة أو الجمع بأي نسبة بينهما ويكفل القانون الأمور والمبادئ التالية:

2. إضافة فقرة (د) إلى المبادئ المذكورة في تلك المادة بحيث تتضمن ((الإشراف القضائي على الانتخابات العامة من غير قضاة محكمة التمييز)) لتعزيز نزاهة العملية الانتخابية.

ثالثاً: تنص المادة (70) من الدستور على: ((يشترط في عضو مجلس النواب زيادة على الشروط المعينة في المادة (75) من هذا الدستور أن يكون قد أتم ثلاثين سنة شمسية من عمره)).

هذا النص يحتاج إلى تعديل بحيث يتم تخفيض عمر النائب إلى 25 سنة تعزيزاً لدور الشباب وبيان أهميتهم، ونقترح أن يكون النص كما يلي: ((يشترط في عضو مجلس النواب زيادة على الشروط المعينة في المادة (75) من هذا الدستور أن يكون قد أتم 25 سنة شمسية من عمره)).

رابعاً: تنص الفقرة (1) من المادة (71) من الدستور على: ((يختص القضاء بحق الفصل في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب، ولكل ناخب من الدائرة الانتخابية أن يقدم طعناً إلى محكمة الاستئناف التابعة لها الدائرة الانتخابية للنائب المطعون بصحة نيابته من دائرته الانتخابية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ نشر نتائج الانتخابات في الجريدة الرسمية يبين فيه أسباب طعنه، وتكون قراراتها نهائية وغير قابلة لأي طريق من طرق الطعن، وتصدر أحكامها خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تسجيل الطعن لديها)).

هذا النص يحتاج الى تعديل بحيث يعطى الاختصاص بالفصل بصحة نيابة العضو إلى محكمة التمييز (أو المحكمة الإدارية العليا) بدلاً من محاكم الاستئناف، على أن تفصل المحكمة بالطعن خلال (60) يوماً وللسببين التاليين:

1. إن إعطاء الاختصاص لمحكمة التمييز أو المحكمة الإدارية العليا بدلاً من محاكم الاستئناف، من شأنه أن يوحد المبادئ والأحكام ويوحد الحلول في كافة المنازعات المتعلقة بموضوع الطعن الانتخابي، فوجود محاكم متعددة (حالياً ثلاث محكمة استئناف) لا تخضع أحكامها لرقابة محكمة عليا يؤدي إلى تعدد التفسير التشريعي وفهم القانون بصورة مختلفة، وهذا يؤدي إلى إهدار العدالة وإهدار مبدأ المساواة بين المواطنين، لأن الاختلاف في الاجتهاد – بين محاكم الاستئناف – سوف يؤدي بالنتيجة إلى إبطال نتيجة انتخاب بعض النواب الفائزين دون البعض الآخر، وهذا يتنافى مع أبسط قواعد العدالة.

2. مدة الـ (30) يوماً غير كافية للفصل بالطعن، وقصر المدة سوف يكون على حساب العدالة.

خامساً: تنص الفقرة (2) من المادة (74) من الدستور على: ((الحكومة التي يحل مجلس النواب في عهدها تستقيل خلال أسبوع من تاريخ الحل، ولا يجوز تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التي تليها)). هذا النص يحتاج إلى تعديل بحيث نرجع لأصل النص كما وضع في عام 1954 بالقول ((الحكومة التي يحل مجلس النواب في عهدها تستقيل من الحكم خلال أسبوع من تاريخ الحل، على أن تُجري الانتخابات النيابية حكومة انتقالية)) وذلك للأسباب التالية:

1. ان الذي يقوم بالتكليف هو جلالة الملك، ومن ثم فإن عبارة (ولا يجوز تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التي تليها) تخاطب جلالة الملك وتقول له لا يجوز لك أن تكلف بأسلوب ينطوي على الحظر والمنع والتحريم، وهذا نص لا ينتمي الى عائلة النصوص الدستورية ويخرج عن اللياقة السياسية والسلامة التي تنتهجها الدول في صياغة دساتيرها عندما تخاطب رئيس الدولة، وكما وصفه البعض بحق بأن هذا النص (وصمة في جبين الدستور والدولة).

2. تستهدف عبارة (ولا يجوز تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التي تليها) إبعاد رئيس الحكومة المستقيل عن تشكيل الحكومة التي تجري الانتخابات، أما وقد خرج موضوع إجراء الانتخابات من اختصاص الحكومة وادخل في اختصاص الهيئة المستقلة للانتخاب وفقاً لأحكام الفقرة (2) من المادة (67) من الدستور فلم يعد أي مبرر أو تخوف من بقاء رئيس الحكومة لأنه لن يتدخل في الانتخابات الجديدة لأنها تخرج عن اختصاصها ابتداءً (هذا على فرض اعتباره خصماً لمجلس النواب الذي تم حله).

3. إن النص الدستوري لعام 1954 هو نص محكم وموزون، ويتحدث بطريقة دستورية لائقة عن إجراء الانتخابات من قبل حكومة انتقالية (أي ليست مستمرة) ويحقق الغاية المطلوبة.

4. يفترض بالحكومة الانتقالية بأنها ليست طرفاً أو خصماً بالنزاع الذي أدى إلى حل مجلس النواب، فطرفي الخلاف (الحكومة المستقيلة والمجلس الذي تم حله) خارج مقاليد السلطة.

سادساً: تُعتبر المادة (75) من الدستور من المواد المهمة في عملية الإصلاح السياسي كونها تتحدث عن شروط عضو مجلس الأمة، كذلك موضوع تضارب المصالح واستغلال النفوذ، لذلك لابد من إعادة النظر في هذه المادة بحيث لا نكتفي بالشروط العامة للترشح لعضوية مجلس النواب، بل لابد من إضافة شروط أخرى، واستبدال بعض الشروط الواردة في المادة (75) بشروط أكثر دقة في فن الصياغة القانونية وتؤدي إلى ذات الغرض، إضافةً إلى ذلك نقترح أن يكون نصها كالتالي:

1. يشترط في عضوية مجلسي الأعيان والنواب ‌أ. أن يكون أردنياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية (هذا النص أكثر دقة وبلاغة واختزالاً من النص الحالي في تلك المادة والذي ينص على (من كان محكوماً عليه بالإفلاس ولم يستعد اعتباره قانونياً ومن كان محجوراً عليه ولم يرفع الحجر عنه، ومن كان مجنوناً او معتوهاً). ‌ب. أن لا يكون محكوماً بجريمة مخلة بالشرف (مع شطب عبارة الجريمة السياسية لأن قانون العقوبات لم يأخذ بمفهوم الجريمة السياسية اصلاً). ‌ج. أن يكون حاصلاً على شهادة إتمام الثانوية العامة على الأقل. ‌د. أن يكون لديه خدمة عامة وعلى الوجه المبين في القانون.

2. يمتنع على كل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أثناء مدة عضويته التعاقد مع الحكومة أو المؤسسات الرسمية العامة أو المؤسسات العامة أو الشركات التي تملكها أو تسيطر عليها الحكومة أو أي مؤسسة رسمية عامة سواء كان هذا التعاقد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولا يؤجرها أو يبيعها شيئاً من أمواله، أو يقايضها عليه، ولا يبرم معها أي عقد كان، وإذا تلقى هدية نقدية أو عينية، بسبب العضوية أو بمناسبتها، تؤول ملكيتها إلى الخزانة العامة للدولة وعلى النحو الذي ينظمه القانون.

3. إذا حدثت أي حالة من حالات عدم الأهلية المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذه المادة لأي عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أثناء عضويته أو ظهرت بعد انتخابه أو خالف أحكام الفقرة (2) من هذه المادة تسقط عضويته حكماً ويصبح محله شاغراً على أن يرفع القرار إذا كان صادراً من مجلس الأعيان إلى جلالة الملك لإقراره.

سابعاً: تعديل المادة (76) من الدستور بحيث تحدد مخصصات أو مكافأة عضو مجلس الامة بموجب القانون، كما يشترط التفرغ الكلي لأعمال هذه العضوية بحيث يمتنع على عضو مجلس الأمة أن يعمل أي عمل آخر سواء في القطاع العام أو الخاص، لذلك نقترح إضافة كل من الفقرتين التاليتين:

1. يتقاضى عضو مجلس الأمة المخصصات التي يحددها القانون، وإذا جرى تعديل المخصصات لا ينفذ التعديل إلا بدءاً من مجلس النواب التالي للمجلس الذي قرر التعديل.

2. يتفرغ عضو مجلس الأمة لمهام العضوية، ويحتفظ له بوظيفته أو عمله وفقاً لأحكام القانون. ثامناً: المادة (84) من الدستور والتي تحدثت عن الأغلبية المطلوبة لاتخاذ القرار في مجلس الأمة وهي (أكثرية أصوات الأعضاء الحاضرين) ومما لا شك فيه أن معظم دساتير العالم تعطي أهمية قصوى لبعض التشريعات الناظمة للحياة السياسية والحقوق والحريات العامة وكذلك السلطة القضائية، حيث تعتبرها قوانين مكملة للدستور لذلك تشترط أغلبية خاصة وهي (أغلبية الثلثين) لغايات إقرارها من مجلس الأمة.

لذلك اقترح إضافة فقرة إلى هذه المادة (تحت رقم 3) تتضمن ما يلي: تصدر قوانين الانتخابات النيابة والبلدية والمحلية والأحزاب السياسية، والهيئات القضائية، والمنظمة للحقوق والحريات الواردة في الدستور بموافقة ثلثي عدد الأعضاء الذين يتكون منهم كل المجلس.

تاسعاً: المادة (86) من الدستور والتي تتحدث عن الحصانة البرلمانية: فالنص الحالي توسع كثيراً في مفهوم الحصانة وهذا أدى إلى ضياع حقوق الآخرين خصوصاً الجرائم ذات الطابع المالي (مثل جرائم الشيك) لذلك لابد من وضع ضوابط إلى هذا النص بحيث :

1. إما ربط الحصانة بطبيعة عمل عضو مجلس الأمة (أسوة بالقضاة والوزراء) أو 2. أن تكون الحصانة في الجنايات فقط ولا تشمل الجنح والمخالفات أو 3. يستثنى من الحصانة الجرائم الواقعة على الأموال.

عاشراً: المادة (90) من الدستور والتي تحدثت عن فصل عضو مجلس الأمة ولكنها لم تحدد أو تبين أسباب أو حالات الفصل، وهذا لا يشكل ضمانة لعضو مجلس الامة، لذلك لابد من تحديد حالات الفصل حصرا- كما كان معمول فيه في قوانين الانتخاب السابقة- وتحديد هذه الحالات يجب أن يكون في الدستور وليس في القانون، لأن القانون ينظم عملية الترشيح والانتخاب (قبل اكتساب صفة العضوية / نائب) أما بعد أن يصبح نائباً أو عيناً، فالأصل أن ينظم الدستور هذا الأمر.

لذلك اقترح تحديد حالات الفصل حصرا (بفقد الثقة والاعتبار، أو فقد أحد شروط العضوية التي انتخب أو عين على أساسها، أو أخل بواجباتها) بحيث يكون نص المادة كالتالي: ((لا يجوز فصل أحد من عضوية أي من مجلسي الأعيان والنواب إلا إذا فقد الثقة والاعتبار، أو فقد أحد شروط العضوية التي انتخب أو عين على أساسها، أو أخل بواجباتها، ويجب أن يصدر قرار الفصل من المجلس الذي هو منتسب إليه، ويشترط في غير حالتي عدم الجمع والسقوط المبينتين في هذا الدستور أن يصدر قرار الفصل بأكثرية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس)).





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق