ماذا تريد بعض قوى المعارضة بالضبط؟!

كتب: العين الدكتور طلال الشرفات

كي لا يُفهم حديثي على غير هداه، فإنّ الإيمان بأهمية المعارضة، وأثرها السياسي في المشهد الوطني، ودورها الناجز في تجديد دماء النخب السياسية هو أمر لا يقبل جدل، ولا يعتريه شّك، ولا يرافقه لوم؛ والسبب أنَّ المعارضة ضرورة وطنية ما دامت تؤمن بثوابت الدولة، ومرتكزات هويتها، وركائز ومبادئ سيادة القانون وإنفاذه في كل الظروف والأحوال، وقبول الآخر أيَّاً كانت منطلقات هذا الآخر الفكرية، أو مشاربه العقائدية، بل ان نكران الذات في الملمّات الوطنية، وعدم احتكار الحقيقة في التوصيف السياسي، والتوظيف الاجتماعي للحدث، أو الموقف هي اهم سمات المعارضة الوطنية الناجزة.

كنّا سابقاً كغيرنا في المعارضة الوطنية البرامجية والتي لها مواقف واضحة من أيّ محاولة للعبث في الهوية الوطنية الأردنية وكان لنا موقف مبدئي من نصرة القضايا القومية في لبنان، والعراق، وسوريا، وفلسطين ولم نكن نقايض تلك المواقف على قواعد “براجماتية” مصلحية، أو منطلقات عقائدية؛ بل كنّا في كل موقف، أو حدث نقرر موقفنا استناداً إلى قناعاتنا الوطنية الراسخة، ونصرة الأشقاء ومصالح الدولة العليا؛ بل كنّا نقف مع الحكومات في الداخل والخارج كلَّما أحسسنا أن ثمَّة مساس بالوطن، أو منجزاته، أو أن هناك تآمراً على الوطن وقيادته دون أن نسجّل على الوطن ومؤسساته جميلاً هو بالتأكيد أكبر من ذاك الجميل واكثر عفّة.

في مطالعات صحفية حديثة لبعض رموز المعارضة حول موقف الأردن من الأوضاع في فلسطين لمسنا منهم نكراناً مفجعاً لمواقف الدولة الأردنية من قضية الاعتداءات الصهيونية على القدس والمقدسات، والعدوان البربري على غزة، وذكرني هذا بموقف المعارضة الأردنية في ملتقى الحوار الثوري في صنعاء عام (1996) عندما كان هناك مشروع قرار بإدانة مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان حول التفاوض وإبرام معاهدة السلام مع اسرائيل؛ وقتها هدد الوفد السوري، واللبناني، والمصري بالانسحاب من المؤتمر إذا أدينت دولهم إلا المعارضة الأردنية التي لم يكن لديها مانعاً في جلد الوطن على منابر الخارج الا قلة قليلة منهم وعلى قاعدة أن الإدانة إذا كان لا بدّ منها فيجب أن تكون للجميع دون استثناء.

وحتى في بغداد في مؤتمرات القوى الشعبية العربية عندما كان العراق يتعرض للحصار في منتصف التسعينات ونهاياتها؛ وللأمانة التاريخية فقد كان العراقيون أكثر رحمة بالأردن من بعض رموز المعارضة -آنذاك- الذين أوسعوا الوطن شتماً دون مبرر أخلاقي، واليوم وللأسف يطلقون تصريحات مدانة يحاولون من خلالها تقزيم الموقف الأردني الشامخ، والناجز، والمؤثر والذي كان له موقف مؤثر في لجم الاعتداءات الإسرائيلية على القدس والأقصى، وحي الشيخ جراح، والممارسات المدانة على الأهل في غزة.

تخطئ المعارضة إن ظنت بأن الموقف الشعبي المشرّف في نصرة فلسطين وشعبها هو انعكاس لموقفها ومطالباتها الخطابية؛ والحقيقة هي انها انعكاس للضمير الأردني التاريخي الحيّ للشعب واستجابة دولية واقليمية لمواقف جلالة الملك الشجاعة والمؤثرة في المسرح الدولي برمته، والدور الاستثنائي الذي قام به جلالة الملك واللاءات الثلاث هي الموقف الشجاع في وجه الإدارة الأمريكية رغم الموآمرات الاقليمية والظروف الاقتصادية الصعبة والذي انتج موقفاً بوأد صفقة القرن وابقاء الدور التاريخي للوصاية الهاشمية في القدس والمقدسات.

وفي ضوء التوجيهات الملكية السامية بالشروع في دراسة الأولويات الوطنية في الإصلاح وإجراء حوار وطني بشأنها فإن المعارضة السياسية الأردنية مدعوة فوراً ودون إبطاء إلى تغيير عناوين خطابها السياسي ومفردات البوح السياسي لقادتها بما يمكنها من بناء شراكة حقيقية في المشهد الوطني مع القوى السياسية الأخرى ضمن ثوابت الأولويات الوطنية، وإبقاء بوصلة الحراك السياسي تجاه عمان بجبالها السبعة، وعلمنا الأردني الشامخ الأوحد الذي لا يقبل شراكة ضميرية مع رايات أخرى إلا في إطار الرمزية دون تبعية لآخر، أو نكران لهوية وطن او يتماً في رفع العلم وبخلاً في عددها في المسيرات والاعتصامات والتي باتت سلوكاً يثير الاشمئزاز.

آن اوان الادراك انه بدون خطاب وطني موحد ينصف الوطن بمواقفه، وتضحياته التي يدركها القاصي والداني، ويلتف حول الراية الأردنية بإيمان، والقيادة الهاشمية بإمعان، وهويتنا الوطنية بإصرار؛ لا يمكن للإصلاح أن يخطو خطوة واحدة للأمام، فالدولة التي تجاوزت ظروف الوباء، وخالفت أوامر الدفاع التي تمنع التجمعات من أجل نبل الهدف، والمتمثل في نصرة الأشقاء تستحق كلمة حق من المعارضة قبل الموالاة في هذا الشأن؛ لأن الأوطان التي يتم بناءها بالحب لا يمكن اغتيالها بالنكران، والتبعية للغير ايَّاً كان نبل الهدف، أو شرف الموقف.

وحمى الله وطننا الحبيب، وقيادتنا الحكيمة، وشعبنا النبيل من كل سوء…





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق