ورقة: الأحداث المتصاعدة تؤكد ضرورة إعادة قراءة الأردن لموضعه الجيوسياسي

هلا أخبار – قدمت ورقة تقدير موقف تقييماً للموقف الأردني خلال الأحداث المتصاعدة في الأراضي المحتلة الفلسطينية مشيرة إلى أنه اتسم بالصلابة الديبلوماسية والثبات إلى جانب انحسار في الأدوات الإعلامية والخطاب الموجه والمضاد لعمليات الاعتداء التي مارسها الاحتلال الإسرائيلي.

وناقش معهد السياسة والمجتمع للدراسات والأبحاث بورشة عمل نخبة من السياسيين والخبراء الأردنيين التطورات التي تحدث في الأراضي المحتلة وانعكاساتها الإقليمية، وتقييم الموقف الأردني خلال الأحداث، وتقديم قراءة لما هو مطلوب خلال المرحلة المقبلة.

إلى ذلك، أشارت الورقة، إلى أنه خلال الأعوام الأخيرة بخاصة منذ نقل السفارة الأميركية إلى القدس ثم إعلان صفقة القرن ازداد النشاط الديبلوماسي والسياسي الأردني في دعم الفلسطينيين والتأكيد على الحل السياسي ورفض تغيير الأوضاع في القدس، وكان الأردن خارج السياق الإقليمي الذي تشكل على قاعدة السلام العربي- الإسرائيلي، بعيداً عن الموضوع الفلسطيني، وعلى قاعدة العداء مع إيران.

في حين أكدت الورقة على أن موقف الأردن كان واضحاً ومتميزاً في رفض الصفقة ومواجهتها، وهو موقف حمل كلفته النظام الأردني، وأدى إلى ما يشبه القطيعة بين الملك وإدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، بينما قلل الأخير من أهمية القراءة الأردنيَّة لقرار نقل السفارة الأمريكيَّة إلى القدس ومن تحذيرات الملك من أنّ القدس ستفجّر المنطقة، كما زاد ترامب جموداً في موقفه مردداً أنه نقل السفارة ولم يحدث شيء، بالمقابل ظل الموقف الأردني صلباً، وتوجه الملك حينها إلى تركيا وتحرك وزير الخارجية أيمن الصفدي في جولات مكوكية بين أوروبا والجامعة العربيَّة والعالم ليؤكد على خطورة صفقة القرن وما يحدث في القدس، وعواقب نقل السفارة، وما تشهده الحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة يثبت أهمية القلق الأردني لما يحدث بالقدس.

ويستغرب الخبراء عبر الورقة أنّ الموقف الأردني الصلب، لم ينعكس بوضوح على السياسات والخطاب الإعلامي الأردني خلال الأزمة، وبدلاً من أن يكون ما حدث تأكيد لمصداقية التحذيرات وتعزيزاً للخطاب الأردني ودعماً له داخلياً وخارجياً، بدا كمن أغرقه النوم، واكتفى المسؤولون بخطاب تقليدي لا يرقى إلى مستوى التفاعل الشعبي الأردني والعربي والعالمي مع الحالة الفلسطينية، ولا يعكس حجم الجهود وقوة الموقف الذي قدمه الأردن نفسه خلال الأعوام الماضية، وأفضى ذلك إلى تكريس حالة جمود دبلوماسية وسياسية أمام المتغيرات الجديدة التي تشكَّلت في المنطقة.

ويجد الخبراء أن لدى الأردن إشكالية في تعريف الأمن القومي الأردني والمصالح الوطنية الأردنية ومصادر التهديد، وغياب أدبيات تبني مفهوما واضحا للأمن الوطني ومضامينه واتجاهات المصالح، والمصالح الوطنية، والعلاقة مع الضفة الغربية ودول الجوار الإقليمي، هذا ينعكس على الممارسة السياسية التي تظهر فجوات بين الموقف الشعبي وموقف النظام السياسي.

موضحين أن ديناميات التغيير الإقليمية تتطلب إجراء مراجعات مستمرة للدور الأردني في القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً من الأمن الوطني والقومي الأردني، والعمل على تبني مقاربة “الحقوق” كخيار موازي ومجاور لخيار حل الدولتين في ضوء إخفاق حل الدولتين، وخلق أدوات سياسية استراتيجية جديدة في الضفة الغربية، وإجراء مراجعة جذرية للعلاقة مع إسرائيل التي برهنت مؤخرًا على أنها لا تريد المصلحة الأردنية، وتتعمد إحراجها سياسيًا مع تغير المعادلة التي تقول بأن إسرائيل جار آمن للأردن، فقد أصبحت تشكل اليوم أكبر تهديد للدولة الأردنية.

وأوصت الورقة على أهمية العمل على تقوية الجبهة الداخلية من خلال مشروع إصلاح سياسية جدي، لأنّ أحد أهم شروط بناء الإمكانيات الديبلوماسية والسياسية في التعامل مع الواقع الجيو استراتيجي قوة الدولة في الداخل، وردم الفجوات التي أخذت في الاتساع خلال الأعوام الأخيرة بصورة مقلقة بين المؤسسات الرسمية والشارع، كما أن للإصلاح السياسي دور كبير في التعافي الاقتصادي وعدم الاعتماد على المساعدات الاقتصادية خصوصًا تلك التي تؤثر في القرار السياسي.

أما على صعيد السياسة الفلسطينية، فبينت الورقة أن هناك مشكلة كبيرة في “الغموض الاستراتيجي” في ترسيم حدود الأمن القومي الأردني، فإذا كانت مصر تعتبر غزة امتداداً للأمن القومي المصري، وهي كذلك، وتضع كل خلافاتها مع حركة حماس على الرف، وتعتبر نفسها طرفاً مهماً في تحديد الوساطة والهدنة وتقرير الأمور، فمن باب أولى أن يكون الأردن واضحاً فيما يتعلق بالضفة الغربية والقدس والقضية الفلسطينية التي لا تمثل امتداداً للأمن القومي الأردني، بل هي جزء منه، تمس القضية الداخلية والأمن الوطني والحدود والمصالح المشتركة والوصاية على المقدسات، لذلك ليس أمراً منطقياً أن يكون الدور الأردني خارج سياق الحسابات المباشرة في هذه الأحداث.

في حين ضمن الحراك الإقليمي، لم يكن للأردن دور مباشر في الوساطة، وذهب تقدير الإدارة الأمريكية باتجاه خيار مصر التي اتخذت موقفًا مسبقًا بارتباط غزة المباشر بالأمن الوطني المصري، كذلك كان هناك خيار تونس ليس بصفتها ممثل لمجلس الأمن، أيضا لصفتها المؤثرة في الإسلام السياسي، وكانت أيضًا دولة قطر من ضمن الخيارات، بالتالي لابد من إعادة تقييم وترسيم وتحديد الدور الإقليمي الأردني ضمن حراك الجيوبوليتيك الجديد في المنطقة وعلى ضوء ما حدث في الأراضي المحتلة.

واعتبر الخبراء عبر الورقة أنه من الواضح أنّ هنالك خلطاً كارثياً يحدث بين اعتبارات الأمن الوطني والمصالح الحيوية الأردنية في الضفة الغربية والقدس والقضية الفلسطينية عموماً من جهة ومسألة الخشية من الوطن البديل من جهة ثانية، وإذا كانت سياسة الملك عبدالله الثاني منذ البداية قامت على تبنِّ واضحٍ لمقاربة استراتيجية عنوانها الأردن هي الأردن وفلسطين هي فلسطين، وأنهى جدلاً تاريخياً معروفاً في هذا السياق، لكن ذلك لا يعني أن المصالح الأردنية ليست ممتدة ومشتبكة مع الحالة الفلسطينية، وأنّنا أمنياً وسياسياً ومجتمعياً وثقافياً متأثرون لمدى بعيد ومهم فيما يحدث غربي النهار.

بينما أدى ضعف حركة فتح والسلطة الفلسطينية إلى إضعاف الموقف الأردني وجهوده السياسية والدبلوماسية، وأوضحت الأحداث تفرّد عبّاس في اتخاذ القرارات المرتبطة بالصالح الوطني المشترك، بالتالي لابد من تقييم العلاقة مع عبّاس والبحث عن بدائل ترتقي إلى مستوى التطلعات السياسية الأردنية، وكيفية تحقيق المصلحة الفضلى لكلا الدولتين، والتفكير استراتيجيًا في مرحلة ما بعد عبّاس، وعدم اقتصار العلاقة على التنسيق الأمني، وتوسيع الخيارات وتفعيل العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية، والدبلوماسية الشعبية.

وبيّنت الورقة أنه ورغم محاولات إسرائيل منذ فترة زمنية طويلة تفكيك الحالة الفلسطينية، أفرزت الأحداث الأخيرة وحدة فلسطينية تجاوزت الحوار بين الفصائل والحسابات السياسية، وحتى التقسيمات السياسية بين فلسطيني الـ48، والضفة الغربية وقطاع غزة، وأنتجت تقارباً سياسياً اجتماعياً بين ثلاثة مراكز قوة.

فيما برزت ثلاثة أنواع جديدة من المقاومة الفلسطينية، الأولى: مواجهة سلمية يقودها جيل من الشباب المقدسي بعيدًا عن العمل الحزبي والفصائلي المنظم، تتخذ بعد خشن أوقات الاحتكاك والاستفزاز، الثانية: مواجهة سياسية يقودها فلسطينيو الداخل (الـ48) عبر منابر سياسية وجماعات ضغط مؤثرة في السياسات الإسرائيلية، وفق مبدأ المواطنة الإسرائيلية فلسطينية الانتماء، رغم سوء العلاقة مع السلطة الفلسطينية وشخص الرئيس عبّاس، وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال المواجهات الأخيرة انسحاب جنود عرب من جيش الدفاع الإسرائيلي وتخليهم عن الخدمة، معلنين تضامنهم مع الهبّة الشعبية الفلسطينية الفلسطينية، والثالثة: مواجهة عسكرية تقودها حركة حماس من قطاع غزة بعد تطويرها أدوات ردع وهجوم جديدة محلية الصنع، وبالتالي تكونت كتلة فلسطينية حرجة مؤثرة على المدى القريب والبعيد في معادلات الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي.
كما أكدت الورقة حسب الخبراء المتناقشين إن الهبة الشعبية الفلسطينية بشكل عام، والمواجهة العسكرية بين فصائل المقاومة وجيش الاحتلال حصدت تفاعلاً دولياً كبيراً غير مسبوق، ساهم في تشكيله منصات التواصل الاجتماعي من خلال المؤثرين المتعاطفين مع الانتهاكات التي تحدث من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين المتطرفين، بالتالي تكَّون ما يعرف بالرأي العام في السياق الرقمي الذي ساند القضية الفلسطينية ونتج عنه مسيرات تضامنية في مدن وعواصم عالمية، من بينها صورة المجتمع الأمريكي لحقوق الإنسان في مشهد الصراع العربي الإسرائيلي، وانعكاس ذلك على المؤسسات الرسمية والأكاديمية التي وصمت إسرائيل علانية بنظام الفصل العنصري، الأمر الذي أعاد القضية الفلسطينية من جديد إلى الواجهة بعد غياب طويل، وأعاد القدس إلى المنابر الدولية ومجلس الأمن الدولي، والجامعة العربية، وإلى منظمة التعاون الإسلامي، وإلى الطاولة الأوروبية، لمناقشتها من جديد.





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق