مدانات يكتب حول القرارات غير المشروعة في الظروفة الاستثنائية

كتب الدكتور نفيس مدانات*

في الظروف الإستثنائية قد تضطر السلطات الحكومية في الدول الى اتخاذ قرارات هي غير مشروعة في الظروف العادية لكنها تصبح مشروعة في الظروف الإستثنائية لأن هذه السلطات الحكومية عليها وظيفتين رئيسيتين أن تنجزهما: وهما تسيير المرافق العامة بإنتظام وصيانة النظام العام بفروعه الثلاثة: الأمن، والسكينة، والصحة: Securité , Tranquilité , Salubrité .

وهنا نذكر مثالين عن ذلك أحداهما عن فرنسا والثاني عن الأردن

أولاً: ففي فرنسا، القرار (الحكم) الصادر عن مجلس الدولة الفرنسي والمسمى (إرييه HEYRIES) والصادر بتاريخ 28/ حزيران/ 1918
وقصة هذا الحكم كالتالي: لقد توجب على الحكومة الفرنسية أن تتخذ، خلال الأسابيع الأولى للحرب العالمية الأولى، عدداً من المراسيم، تتجاوز صلاحياتها المعتادة. فالقانون الصادر بتاريخ 1915/03/30، جعل مشروعاً، عدداً كبيراً من المراسيم، لكنه اغفل أن يجعل مشروعاً، المرسوم الصادر بتاريخ 1914/09/10، الذي علق تطبيق المادة (65) من القانون الصادر بتاريخ 1905/04/22 الذي يلزم بإطلاع الموظفين العموميين على ملفاتهم الشخصية قبل اتخاذ أية وسيلة تأديبية بحقهم كي يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم. وكان هناك موظفاً يدعى (إرييه)، قد تم عزله من وظيفته، بدون أن يتسلم مسبقاً الإطلاع على ملفه الشخصي، ولهذا فقط طعن بمشروعية المرسوم الصادر بتاريخ 1914/09/10بسبب هذا التطبيق الذي جرى بحقه.

في الحقيقة ان تعليق تطبيق نصاً قانونياً بموجب مرسوم أدنى منه صادر عن الحكومة هو حقيقة عملاً غير مشروع بشكل واضح، ومع ذلك، كان مجلس الدولة الفرنسي القاضي الإداري الأعلى قد رد الطعن الصادر عن السيد (إرييه). وكان مجلس الدولة قد أسس رفضه للدعوى على الفكرة القائلة (بأن مبدأ استمرارية المرافق العامة تتضمن متطلبات استثنائية في أوقات الحرب)، مبرراً بذلك التوسع الإستثنائي لسلطات الحكومة والإدارة.

ولقد استند مجلس الدولة الفرنسي في هذا الحكم على المادة (3) من القانون الدستوري الصادر بتاريخ 1975/02/25 الذي جاء فيه :”إن رئيس الجمهورية، يصادق على القوانين، يراقب ويضمن تنفيذها، ويتصرف بالقوة المسلحة، ويعين في جميع الوظائف المدنية والعسكرية”. وهذا النص يشكل الأساس الدستوري لمبدأ استمرارية المرافق العامة.

لكن هذا غير كاف لتبرير الحل: إنما يوجد في الشروط التي بموجبها تتم ممارسة السلطات العامة من حيث الواقع خلال فترة الحرب حيث يوجد المبرر الحقيقي. ولقد قام مجلس الدولة الفرنسي بتطبيقات عديدة للإجتهاد (إرييه) أثناء الحرب العالمية الثانية وكذلك خلال الفترة التي تبعتها مباشرة.
وإن مجموع هذه السوابق يشكل فقهاً حقيقياً لسلطات الأزمات.

حدود مفهوم الظروف الإستثنائية
وهكذا قد أعلن كوميسير الحكومة (لاتورنير Letourneur) في مرافعته حول القضية (لوجيه Laugier) بتاريخ 1948/04/16 . إن مجلس الدولة، يعلم مدى خطر تعميم الظروف الإستثنائية “باب مفتوح على الغاء كل مشروعية”، ويتطلب بأن يجتمع عدداً معيناً من الشروط:
أ‌- استمرار بقاء الظروف الإستثنائية العنيف والخطير وغير المتوقع – وهذا ما يميز الظروف الإستثنائية عن حالة العجلة البسيطة. (انظر القرارات Lecocp, Marion).

ب‌- الإستحالة بالنسبة للسلطة الإدارية أن تعمل بشكل قانوني (انظر القرار Laugier): بتاريخ 27/آب/1944، كانت الظروف الإستثنائية آنذاك، وعلى الأخص، كون الحكومة ليس باستطاعتها أن تجتمع، وكان عندها مستحيلاً أن تشرع بموجب لائحة، وسمحت لكوميسير الحرب أن يتخذ وسائل لا بد منها لتفادي الوضع القائم بصورة مؤقتة”.

وفي الأردن القرار (الحكم) الصادر عن محكمة العدل العليا الذي يحمل الرقم (41/ 74)
وقصة هذا الحكم أنه توجب على الحكومة الأردنية أن تتخذ، بعد حرب عام 1967 عدداً من التعليمات تتجاوز صلاحياتها المعتادة. وفي هذا الحكم الصادر عن محكمة العدل العليا الأردنية آنذاك تم عزل موظف من وظيفته فطعن في قرار عزله أمام محكمة العدل العليا مدعياً بأن الأمر الصادر عن الحاكم العسكري العام بعزله من وظيفته لم يصدر تأميناً للسلامة العامة والدفاع عن المملكة وأنه لذلك خاضع للطعن أمام محكمة العدل العليا.

وقد جرى رد دعوته ذلك لأن أمر الحاكم العسكري العام قد صدر بناء على المادة الثالثة من تعليمات الإدارة العرفية لموظفي الحكومة وهي أسباب تتعلق بأمن الدولة والسلامة العامة.
وتنص المادة الثالثة من تعليمات الإدارة العرفية لموظفي الحكومة على ما يلي:م / 3 تعليمات الإدارة العرفية لموظفي الحكومة:
“على الرغم مما جاء في أي قانون أو نظام آخر يحق للحاكم العسكري العام أن يقرر عزل أي موظف إذا اقتنع بأن له نشاطاً يمس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي أو بدستورها أو بنظام الحكم فيها”.
والسند في ذلك هو الفقرة الثانية من المادة (125) من الدستور الأردني والتي جاء فيها: “عند إعلان الأحكام العرفية للملك أن يصدر بمقتضى إرادة ملكية أية تعليمات قد تقضي الضرورة بها لأغراض الدفاع عن المملكة بقطع النظر عن أحكام أي قانون معمول به ويظل جميع الأشخاص القائمين بتنفيذ تلك التعليمات عرضه للمسؤولية القانونية التي تترتب على أعمالهم إزاء أحكام القوانين الى أن يعفو من تلك المسؤولية بقانون خاص يوضع لهذه الغاية”.

في الحقيقة إن تعليق تطبيق نصاً قانونياً بموجب تعليمات أدنى منه في التسلسل العمودي وصادرة عن الحكومة هو عملاً في حقيقته غير مشروع تماماً، ومع ذلك نجد أن محكمة العدل الأردنية قد ردت الطعن الصادر عن الموظف المعزول من وظيفته بناء على الفكرة القائلة بأن مبدأ استمرارية المرفق العام وصيانة النظام العام يتطلبان نصوصاً استثنائية في أوقات الحرب وكذلك الفترة التي تعقبها مبررة بذلك اصدار نصوصاً توسع بشكل استثنائي سلطات الحكومة والإدارة”.

حدود السلطات الإستثنائية في ظل الأحكام العرفية
لقد أعلنت الأحكام العرفية عام 1957 وصدر بناء عليها تعليمات الإدارة العرفية رقم 9 لسنة 1957، وجاء في المادة (5) منها على أن:
أ‌- أوامر الحاكم العسكري العام
ب‌- وأوامر الحكام العسكريين المحليين
هي نافذة المفعول، ولا تقبل الطعن أمام محكمة العدل العليا الأردنية.

كذلك قد نصت المادة (20) من هذه التعليمات على مصادرة حق التقاضي أمام تلك المحكمة، بحيث قررت وقف العمل بأحكام الفقرة الثالثة من المادة العاشرة من قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم (21) لسنة (1952) ما عدا البندين (أ، ب) أي أنها منعت بذلك محكمة العدل العليا من ممارسة اختصاصها كمحكمة الغاء.
ولقد أثيرت مسألة دستورية هذه المادة (20) أمام محكمة العدل العليا، وقد قررت محكمة العدل العليا في أحكام لها عامي 1957، 1958 دستورية المادة (20) هذه.
ولقد بقيت الأمور كذلك لحين أنهي العمل بتلك الأحكام بتاريخ 1958/11/29.
وفي عام 1967 أعلنت الأحكام العرفية مرة أخرى، وصدرت تعليمات، مشابهة للتعليمات التي صدرت عام 1957. ثم أثيرت من جديد مسألة دستورية المادة (20) منها.

وعندها قررت محكمة العدل العليا عدم دستورية المادة (20) من التعليمات لأنها منعت محكمة العدل العليا من النظر في الطعون كافة والتي تقام ضد القرارات الصادرة عن الإدارة في كافة الشؤون، سواء أكانت صادرة لغايات الدفاع عن المملكة أو لغير ذلك.
وقد قالت المحكمة “إن النص الوارد في المادة (20) من تعليمات الإدارة العرفية الذي منع المحكمة من رؤية الطعن بكافة القرارات الإدارية، سواء أكانت صادرة لغايات الدفاع أو غير ذلك، هو نص دستوري لا يعمل به الا عندما تكون الغاية من القرار الإداري الدفاع عن المملكة” .

وبهذا الخصوص نذكر قرار محكمة العدل العليا (قرار رقم 78/73 صفحة 562 سنة 74).
– لقد استقر اجتهاد محكمة العدل العليا على أن المقصود من الأوامر العرفية التي لا تخضع للطعن أمام محكمة العدل هي الأوامر الصادرة من أجل تأمين السلامة العامة والدفاع عن المملكة، أما إذا كان الأمر العرفي لا يتصل بالسلامة العامة والدفاع عن المملكة من قريب او بعيد فإن محكمة العدل مختصة للنظر في دعوى الطعن به.

– ولا يكفي لكي تقرر محكمة العدل العليا عدم اختصاصها للنظر في دعوى الطعن بالأمر العرفي أن يرد فيه أنه صادر من أجل السلامة العامة، بل لا بد أن يكون واضحاً أن الموضوع الذي يعالجه الأمر العرفي يتعلق بالدفاع عن المملكة أو بالسلامة العامة أو أنه يمت بصله الى ذلك، لأن الحاكم العسكري مقيد بإصدار الأوامر العرفية بنطاق تأمين السلامة العامة للمملكة والدفاع عنها فإذا خرج عن هذا النطاق يكون متجاوزاً لصلاحيته ومن حق محكمة العدل العليا أن تنظر في دعوى الطعن بمثل هذا الأمر.

– على الإدارة عندما تستعمل سلطتها التقديرية أن تتحرى غاية الشارع وعلى ضوء هذه الغاية تصدر قرارها وحيث أن غاية الشارع من المادة 125/2 من الدستور والمادة الثانية من تعليمات الإدارة العرفية هو الدفاع عن المملكة وسلامتها العامة، فإن الأمر العرفي ينبغي أن يصدر لتحقيق هذه الغاية فقط فإذا تجاوزها يكون معيباً ويتعين إبطاله .

وفيما يخص مسؤولية المنفذين لتعليمات الأحكام العرفية
لقد نص عجز الفقرة الثانية من المادة (125) من الدستور على ما يلي: “يظل جميع الأشخاص القائمين بتنفيذ تلك التعليمات عرضة للمسؤولية القانونية التي تترتب على أعمالهم إزاء أحكام القوانين الى أن يعفو من تلك المسؤولية بقانون خاص يوضع لهذه الغاية”.

وفيما يلي نعرض القانون الذي صدر على أثر الغاء الأحكام العرفية التي أعلنت عام 1957 ورقمه 42 لسنة 1958 وسمي بقانون رفع المسؤولية: رقم 42 لسنة 1958: حيث جاء فيه ما يلي:
“يعفى جميع الموظفين المدنيين والعسكريين وكذلك جميع الأشخاص ممن تولوا تنفيذ تعليمات الإدارة العرفية أو كانت لهم أية علاقة بتنفيذها في أي وقت خلال المدة التي كانت الأجكام العرفية نافذة المفعول من أية مسؤولية قانونية ترتبت أو تترتب على أعمالهم بموجب أحكام القوانين والأنظمة المعمول بها”.

أعده الأستاذ الدكتور
نفيس صالح المدانات
D.E.A, Droit Public
دكتوراة الدولة / فرنس






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق