القمة الأمريكية الروسية: لقاء عابر أم خطوة أولى لتصحيح المسار؟

بعد شدٍ وجذب، أُعلن رسمياً عن عقد قمة بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف منتصفَ يونيو 2021 دون أن يُقدّم أي طرف عرضاً لأجندة القمة أو تصوراً أولياً لما ستُسفر عنه من نتائج، وهو ما يعكس المناخ المتوتر الذي ستجري فيه القمة الأولى بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية.

ولا يُقلل عدم الإعلان عن أجندة للقمة من قيمتها؛ فمجرد عقدها هو خطوة في الاتجاه الصحيح نحو التفاهم البنّاء وتقريب وجهات النظر إزاء القضايا الخلافية، وهي القضايا التي ترجع أبرزها إلى الفترة الرئاسية الثانية لأوباما عندما كان بايدن نائباً للرئيس آنذاك، مما يعني أن كلا الرئيسين على دراية تامة بالآخر، وتجمعهما علاقة متوترة كامتداد لأرث أوباما حيث اتسمت تلك الفترة بدخول العلاقات الأمريكية الروسية في منعطف خطير بعد عدّة أزمات، كضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، والاختراق السيبراني الروسي للانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016 – وفقاً لمصادر أمريكية – لدعم الجمهوري دونالد ترامب ضد الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وإنْ عُقدت القمة، فإنها تأتي في وقت حرج على وقع تصاعد حدة التوتر بين روسيا والغرب عموماً على خلفية ملفات أبرزها الأزمة الأوكرانية التي لا تزال حتى الآن بعيدة عن الحل، حيث تُصر أوكرانيا – وحلفاؤها الغرب – على عدم الاعتراف بشرعية إعلان انفصال بعض نطاقاتها الجغرافية، وتعمل على إعادة بسط سيادتها في هذه المقاطعات الناطق سكانها باللغة الروسية ويرتبطون ثقافياً بها، وتتلقى بعض الجهات في هذه المناطق دعماً روسياً، وفقاً لبعض التقارير. وقد عزّز ضم روسيا لشبه جزيرة القرم من هذه التقارير، فبعد استفتاء شعبي “سريع” أضحت هذه البقعة المطلة على البحر الأسود جزءاً من الأراضي الروسية في مارس 2014 وانتشرت فيها القوات الروسية مشعلةً المخاوف من “عسكرة المواقف” لما لذلك من تهديد على الاستقرار الدولي ورفع لحدة التوترات والاستقطاب وتعميق فجوة الثقة والشكوك في النوايا التي يتصور كل طرف أن الآخر يُضمرها.

ولعل المناورات الحدودية هي إحدى المظاهر الواضحة التي تدل على هذه العسكرة، كمناورة “Defender – Europe” التي يُجريها حلف الناتو بقيادة أمريكا في الفترة الواقعة ما بين 12 مايو – 22 يوليو، وتشمل منطقة واسعة تمتد حتى البحر الأسود المحاذي للحدود الروسية، مما دفع بوزارة الدفاع الروسية إلى الإعلان عن  رصدها لمجريات المناورة و”الاستعداد للرد فوراً في حال حدوث أي تطورات غير مواتية”.

in-1-(1).jpg-راجمة-صواريخ.jpg

ومن المظاهر “المثيرة للقلق” لهذه العسكرة هو تكرر الإعلان عن اعتراض طائرات و/أو سفن تقترب من حدود سيادة هذا الطرف أو ذاك، ففي بعض الأحيان تنشر مواقع عسكرية مختصة توضيحاً عملياتياً لمناورات الاعتراض التي تجري، وفي ظل هذا التوتر المركّب المشحون فإن وقوع حادثة لإسقاط طائرة مثلاً من شأنه أن يُنذر بتأجيج التصعيد وأن يُعقّد المساعي الحميدة الرامية إلى خفض التوترات.

ويُدرك أي مُتابع غير مختص تبعات استمرار التوتر في البيئة الدولية على ما هو عليه، وبكل تأكيد يُدرك أيضاً صناع القرار في واشنطن وموسكو هذه التبعات، ورغم ذلك لا يوجد إرادة سياسية جادة لتطبيع العلاقات بين الطرفين. وربما يرجع سبب عدم سعي الطرفين إلى بناء حلول مشتركة إلى كون عوامل التأزيم استراتيجية ولا تقبل القسمة على اثنين، مما يجعل النزاع صفرياً. ومن أبرز هذه العوامل:

1. اختلاف الثقافات السياسية

يُعد المنطق السياسي الروسي مركزياً يُعلي من دور الدولة في تسيير الشؤون المختلفة كامتداد للحقبة السوفيتية. ويميل المجتمع الروسي إلى تبني أفكار متسقة حيال القضايا العامة؛ فالثقافة السياسية الروسية لا تتسم بالتباينات الجوهرية.

وبناءً على ذلك، تمارس السلطة السياسية في موسكو نمطاً شمولياً من الحكم، وهو ما يُقلق الغرب الذين يرون في ذلك تسخيراً لقدرات وجهود الدولة نحو رؤية موحدة قد تكون ذات طابع صدامي وتتعارض مع أسس النظام الدولي الذي تأسس بمنطق ليبرالي رأسمالي يُراعي اعتبارات الدول الغربية في المقام الأول.

ومع تولي بايدن رئاسة الولايات المتحدة، عادت البلاد إلى أسلوبها الكلاسيكي في السياسة الخارجية القائم على دعم الحلفاء ونشر الديمقراطية التي تُحقق وتضمن المصالح الأمريكية. ولذلك تتخوف موسكو من اندلاع “ثورات ملونة” في الدول المحيطة بها، كبيلاروسيا التي شهدت في مايو 2021 أزمة دبلوماسية حادة على خلفية قيام إحدى مقاتلاتها بإجبار طائرة مدنية على تحويل مسارها والهبوط من أجل اعتقال ناشط مدني عشريني – كان على متنها – ادّعت سلطات البلاد أن له دوراً تحريضياً في الاحتجاجات واسعة النطاق التي تلت الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

وتدّعي موسكو وجود تواطؤ لبعض المعارضين مع جهات خارجية، في المقابل تتهم عواصم غربية الأجهزة الروسية بممارسة إرهاب دولة ضد المطالبين بإصلاحات عميقة، وعادةً ما يتفجر هذا الجدال بعد الحوادث الخطرة التي تتعرض لها سلامة هؤلاء المعارضين، كحوادث التسمم الحرجة أو الوفاة غير الطبيعية.

ويُعمّق هذا التباين في المنطق السياسي من حالة عدم الثقة والشكوك غير المبنية على وقائع، لذلك فقد تعدَّدت في الفترة الماضية التصريحات حول طرد دبلوماسيين روس وغربيين بصورة متبادلة رداً على مزاعم بالتجسس، ضمن ما يُمكن أن يُطلق عليه “حرب السفارات”. وهذه الإجراءات التي تحد من التواصل الدبلوماسي البنّاء بين مختلف الأطراف تُقوض من إمكانية التوصل إلى حلول وسط، وتُعرقل الآليات المتعارف عليه لعرض وجهات النظر.

ويعزو معظم الخبراء السبب وراء حرب السفارات إلى المناخ السياسي المتوتر، ولكن ينبغي التأكيد في هذا الصدد على وجود اختلالات بنيوية في “اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية” التي تم إقرارها عام 1961 والناظمة لأسس وامتيازات الدبلوماسيين ومقراتهم وممتلكاتهم واتصالاتهم، ذلك أن هذه الاتفاقية تمنح حصانة شبه مطلقة للعمل الدبلوماسي بما قد يُشجع هذا الطرف أو ذاك على انتهاك روح الاتفاقية واستغلالها لغير الغاية التي استُحدثت من أجلها، وهي تسهيل التواصل الدبلوماسي ومنح أفراد البعثات الدبلوماسية أقصى درجة من الحرية والسرية كتعبير عن الثقة المتبادلة.

2التداخلات الجيوسياسية

في النصف الأول من القرن العشرين طَوَّرَ – على مراحل – العالم الجيوسياسي البريطاني، هالفورد ماكندر، نظرية قلب العالم “HeartLand Theory” التي تُعتبر أول طرح متكامل يُقدّم علاقة الجغرافيا بالهيمنة العالمية، وفيها افترض ماكندر أن أوراسيا تُعتبر نقطة ارتكاز للهيمنة الدولية، فهي بمثابة قلب العالم؛ تمنح من يسيطر عليها ميزة تفضيلية لتسيد النظام الدولي، إذ تضم قرابة 75٪ من عدد سكان العالم، ونحو 75٪ من مصادر الطاقة الكربونية المكتشفة في العالم، ناهيك عن مساهمتها في حوالي 60٪ من الناتج القومي العالمي، وتشمل  أهم المضائق المائية الحيوية للملاحة العالمية.

ولا تزال الوقائع السياسية تُثبت مدى أهمية هذه المنطقة التي تتداخل فيها مصالح روسيا والكتلة الغربية، ناهيك عن الحساسية الأمنية الناشئة عن تقارب النطاقات الجغرافية وما يتطلبه ذلك من رفع الجهوزية العسكرية والاستنفار تحسباً لأي طارئ. وقد أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، على هذه الحقيقة في ندوة عُقدت في مايو 2021 قال فيها: “لا يزال الوضع – يقصد العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي – مقلقاً للغاية. وتشهد قارتنا الأوروبية المشتركة أزمة ثقة غير مسبوقة. وفي أوروبا يجري إنشاء خطوط فاصلة مرة أخرى، وتتحرك شرقاً وتتعمق مثل الخنادق في الجبهة”.

وستمتد هذه التوترات الجيوسياسية على المدى المتوسط لتشمل إقليماً جديداً وهو القطب المتجمد الشمالي؛ فبفعل ذوبان جليده بسبب الاحتباس الحراري، باتت هناك ثروات طبيعية ومعدنية كبيرة تنكشف عنه، ومسار ملاحي قد يغير خريطة التجارة العالمية إذا ما استمر الذوبان بهذه الوتيرة. وقد نشر STRATEGIECS Think Tank تقريراً في مايو 2020 بعنوان “الحرب الباردة في الدائرة القطبية الشمالية استشرف فيه تحوُّل هذه المنطقة مستقبلاً إلى بؤرة توتر دولي.

3. التوجس من القدرات العسكرية والسيبرانية

لا تكاد تمر سنة دون قيام روسيا و/أو أمريكا بالإعلان عن تطوير سلاح جديد يُعزز من ترسانة الردع الاستراتيجي ويُحصّن الموقف السيادي للدولة. وقد جعلت القوة الضاربة أمرَ بدء الحرب مستبعداً فمنذ تطوير الدول الكبرى للسلاح النووي تغيّرت غاية القوة العسكرية من تحقيق الهدف السياسي إلى دفع العدو نحو عدم إعلان الحرب.

ويُشير تقييم القدرات الدفاعية والهجومية إلى أن الجيش الأمريكي لا يزال يحتل مركز الصدارة، مستنداً على إنفاق عسكري ضخم بلغ عام 2020 أكثر من 778 مليار دولار، في حين بلغ الإنفاق العسكري الروسي قرابة 61.7 مليار دولار.

عملياً، لا يمكن الاستناد على هذه المقارنة لتقديم تصور شامل يدل على تحقيق أمريكا لتفوق عسكري مضمون، ذلك أن للقوة جانباً معنوياً يتمثل في التصورات النفسية التي يحوزها كل طرف إزاء قدراته وقدرات الطرف الآخر، كما أن كلا الطرفين يمتلكان أسلحة متطورة تُعقّد من عملية “كسر التوازن العسكري”.

إلا أن ما يُقلق المجمع الاستخباري الأمريكي من تنامي القدرات العسكرية الروسية هو تصميمها لتستطيع التغلب على نظيرتها الأمريكية، سواء من حيث الأنظمة الهجومية أم الدفاعية، حيث تشهد القوات الروسية عملية تحديث شاملة بلغت معها حصة الأسلحة المتطورة في الثالوث النووي 88٪ كما كشف عن ذلك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال رسالته السنوية في الجمعية الفيدرالية في أبريل 2021. والثالوث النووي يُقصد به منصات إطلاق الذخائر النووية من 3 مستويات: براً وبحراً وجواً. كما تُطور روسيا من قدراتها الصاروخية فوق الصوتية ومن المتوقع أن يدخل صاروخ “تسيركون” الخدمة قريباً، وهو الصاروخ الذي تتناقل مواقع عسكرية بأنه قادر على حمل كميات ضخمة من اليورانيوم ولا يمكن اعتراضه.

in-2.jpg-صاروخ-تسيركون.jpg

وتُعلل روسيا مثل هذه التحديثات بأنها تأتي لغايات دفاعية رداً على خطوات تراها استفزازية مريبة من الناتو والغرب، كمنظومة الدرع الصاروخية التي تحاوط المجال الحيوي الروسي والقادرة على شل حركة الملاحة الجوية العسكرية الروسية، كما تحتج موسكو دائماً على زيادة الانتشار العسكري للناتو قرب حدودها، كما في ألمانيا وبولندا ودول البلطيق.

وقد أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، عن عزم بلاده إنشاءَ 20 تشكيلاً ووحدة في المنطقة العسكرية الغربية رداً على تحركات دول الناتو المتمثلة في نشر سفن حربية مزودة بصواريخ كروز وتكثيف الطيران الحربي والاستطلاعي والمناورات العسكرية.

وقد يكون البعد العسكري في العلاقات الأمريكية الروسية أقل تعقيداً وأكثر وضوحاً من البعد السيبراني، حيث تتكرر حوادث الهجمات السيبرانية التي تستهدف منشآت حيوية ويُعتقد على نطاق واسع أن هناك جهة حكومية تقف وراءها لأن هذه الهجمات معقدة ولتعذر حيازة “هواة” للتقنيات والبرامج المستخدمة في عمليات الاختراق هذه.

وألمح مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، إلى أن إدارة بايدن ستلجأ إلى الرد على هذه الهجمات بأساليب لا تقتصر على العقوبات فقط بل يمكن أن تكون أيضاً بـ “أدوات مرئية وغير مرئية”. وقد أعلن البيت الأبيض في يونيو 2021 عن أن عمليات القرصنة من أجل الحصول على فدية ستكون في “صُلب” المواضيع التي سيتم مناقشتها في القمة القادمة.

إن هذا الاضطراب العسكري والسيبراني يُهدد الاستقرار الاستراتيجي ويزيد من حالة اللايقين في النظام الدولي، حيث يقلّص من إمكانية التنبؤ بالخطوات القادمة والتي قد لا تكون حرباً شاملة – على الأغلب – ولكنها ستكون عبارة عن مزيد من الصراعات الجانبية في ساحات غير مباشرة “هجينة” بما يستنزف القدرات الوطنية ويحول دون بناء علاقات طبيعية تعاونية وبالتالي استمرار هذا التوتر لسنوات قادمة.

استراتيجية نيكسون “معكوسة”

بعد الصعود الاقتصادي والدولي الذي حققته بكين؛ لا يمكن تجاوز دورها عند التطرق للحديث عن التفاعلات الأمريكية الروسية، ذلك أن تموضعها في هذه التفاعلات سيلعب دوراً مؤثراً في طبيعة العلاقات بين قطبي الحرب الباردة السابقة.

وفي السنوات الماضية، تنامت العلاقات بين بكين وموسكو على خلفية التهديد المشترك الذي أحدثته الاستراتيجية الأمريكية تجاههما، مما دفعهما إلى تعزيز تعاونهما ليصل إلى “شراكة استراتيجية” تتجلى في خط غاز “قوة سيبيريا” الذي يزود الصين بجزء من احتياجاتها من الطاقة، وفي زيادة التبادل التجاري والتعاون العسكري من حيث إجراء المناورات المشتركة وحيازة الصين لأسلحة روسية متطورة. وتمتد هذه الشراكة لتصل إلى تنسيق المواقف السياسية حيال القضايا الدولية الرئيسية.

وهذه الشراكة – حتى الآن – هي بعيدة عن كونها انصهاراً قطبياً موحداً، فلا يزال كل طرف حبيسَ الماضي القريب الذي تنافسا فيه على زعامة الأيديولوجيا الشيوعية واشتبكا عسكرياً في المناطق الحدودية، كما أن حجم ونوع التداخل الحالي لا يرقى إلى كونه تحالفاً استراتيجياً، وللتأكيد على ذلك يكفي القول بأنه لا يوجد هناك اتفاقية دفاعية أو أمنية تجمع كلا الجانبين.

وأبرز ما يوحدهما لا ينبع من إدراك “ذاتي” بأهمية التعاون بقدر ما ينبثق من التهديدات الخارجية المشتركة والإجراءات “العقابية” التي تتخذها دول غربية ضدهما. وقد اتسمت إدارة ترامب بالإفراط في فرض العقوبات على الحلفاء والمنافسين على حدٍ سواء، وقد بدأت إدارة بايدن بالتراجع عن هذه السياسة، حصافةً منها في إدارة الخصومات الدولية ودون “إطلاق النار على الجميع”، وهي بذلك تسعى إلى تجنب تعميق الجبهة الدولية المناوئة لسياستها الخارجية، فلا يمكن الارتكاز على فرض العقوبات وإهمال تقديم الحوافز في تسيير الشؤون الخارجية.

وأبرز العقوبات التي تراجعت عنها الإدارة الأمريكية الحالية هي تلك المفروضة على الشركات المشاركة في مشروع “Nord Stream 2” الذي ينقل الغاز الروسي عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا ومنه إلى أوروبا، وقد أزّمت هذه العقوبات من العلاقات الأمريكية الأوروبية مما يعني أن التراجع عنها يُعد التزاماً من إدارة بايدن بإعادة العلاقات عبر الأطلسي إلى سابق عهدها، وقد يكون أيضاً بمثابة رسالة سياسية موجهة إلى موسكو تفيد برغبة واشنطن في تحسين العلاقات المتبادلة، وتجاوز حالة الخصومة إلى وضع جديد يحترم فيه كل طرف مصالح الآخر وخطوطه الحمراء، دون تعدي ودون القيام باستفزازات متعمدة.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن بعض مراكز التخطيط الاستراتيجي الأمريكية تدعو إلى اتباع استراتيجية نيكسون بشكل معاكس لمواجهة الصعود الصيني، ففي عهد الرئيس الأمريكي السابع والثلاثين، ريتشارد نيكسون، وفي النصف الأول من السبعينيات، تم اتباع استراتيجية تقوم على التقارب مع الصين الشيوعية لمنع تقاربها مع الاتحاد السوفييتي وللحيلولة دون توحيد جهود ما يُفترض أن يكون جبهة أيديولوجية شمولية موحدة ضد الرأسمالية.

وقد نجحت هذه الاستراتيجية – التي جاءت بناءً على اقتراح مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر آنذاك – في تحقيق أهدافها وأحدثت قلقاً أمنياً للاتحاد السوفييتي في حدوده الجنوبية الغربية. وبالمثل قد يتم استلهام استراتيجية مماثلة، ولكن لمواجهة القدرات الصينية المتنامية هذه المرة.

وتُلقي جائحة كورونا بظلالها على هذه المواجهة، فقد تزامن الإعلان الرسمي عن عقد القمة الروسية الأمريكية مع طلب بايدن من الاستخبارات تقديمَ تقرير حول منشأ الفيروس في غضون 90 يوماً، وتزايد الأصوات “العلمية” والسياسية في واشنطن التي تُرجّح تسرب الفيروس من مختبر بيولوجي في مدينة ووهان.

كما وقَّع بايدن في يونيو 2021 أمراً يقضي بحظر استثمار الشركات والأفراد في 59 كياناً تجارياً، وهو ما يدل على أن العلاقات الصينية الأمريكية لا تتجه إلى انفراجة أو إلى ملامح لتفاهم على القضايا الخلافية الصلبة، على عكس العلاقات الأمريكية الروسية التي يبدو أنها في ذروة التوتر وتتجه إلى مسار أقل اضطراباً.

وبعيداً عن ما يُقال من إمكانية تشكُّل قطب صيني روسي وما يبالغ به بعض المحللين من استرسال في تقييم واقع علاقاتهما الثنائية، إلا أن الدولتين غير مؤهلتين على المدى المتوسط للانصهار كحالة قطبية واحدة، بسبب التنافرات العميقة بينهما، وأبرزها اختلاف منظور السياسة الخارجية لكل منهما واختلاف الأدوات التي يسعى كل منهما إلى تحقيق أهدافه الخارجية من خلالها، إذ تميل الصين إلى اعتماد الصعود السلمي الهادئ والمرتكز على القوة الاقتصادية وتجنب الصدامات، في حين تتبع السياسة الخارجية الروسية نهجاً صلباً لا يمانع استخدامَ القوة العسكرية – سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة – متى ما تصادمت مصالحها العليا مع أي طرف.

كما أن القوة الاقتصادية الضاربة لبكين قد تتحول إلى تهديد حقيقي في نظر موسكو، لا سيّما وأن الأولى تنسج علاقات وتحالفات في المجال الحيوي الروسي وتتمدد بثبات في آسيا الوسطى؛ الفناء الخلفي لروسيا.

in-3.jpgاسيا-الوسطى-روسيا-الصين.jpg

وحتى الآن لم تَظهر الصدامات الروسية الصينية إلى العلن، ولكن يُتوقع أن تبرز مع استثمار الصين لقوتها الاقتصادية كنفوذ إقليمي ودولي لا سيّما وأن المشروع الصيني العالمي “طريق الحرير” – الذي تعد روسيا جزءاً منه – يطوّق الجغرافيا الروسية، ومن المتوقع أيضاً أن يتوسع ليشتمل على تواجد أمني عسكري للصين ولن يبقى مقتصراً على الأبعاد الاقتصادية والتنموية.

الخلاصة

يُمكن القول بأن عقد القمة الأمريكية الروسية في ظل هذه الظروف المتوترة يُعد إنجازاً بحد ذاته ونقطة انطلاق لتصحيح مسار العلاقات الثنائية وحتى الدولية. ولا ينبغي رفع سقف التوقعات من هذه القمة، فصحيح أن كلا الطرفين سيؤكدان على أهمية تحصين وتعزيز الاستقرار الاستراتيجي الدولي، ولكن يظل هناك اختلاف بينهما في الوسائل المتبعة لتحقيق هذا الهدف.

وللخروج من هذا الوضع المعلّق، يمكن لكلا الدولتين إسناد ودعم بعض الملفات المهمة في نظر الآخر، فمثلاً إن لروسيا حضوراً في إيران وأفغانستان يُمكّنها من إنجاح التحولات الانتقالية التي تجري في هاتين الدولتين، بما يؤدي إلى تحقيق الرؤية الأمريكية حيالهما (التطبيق الجاد للاتفاق النووي مع إيران، والانسحاب الآمن للقوات الأمريكية من أفغانستان). في المقابل، وبما أن روسيا قوة نووية باقتصاد نامي، يمكن أن تقوم الولايات المتحدة برفع بعض العقوبات المفروضة عليها وحسم بعض القضايا العالقة مثل الاعتراف بشرعية قرار ضم شبه جزيرة القرم إلى السيادة الروسية.

وبالرغم من التوترات الجاثمة في عمق العلاقات الروسية الأمريكية، إلا أنه من غير الصواب وصفها بـ “الحرب الباردة الجديدة” بسبب غياب التنافس الأيديولوجي ولعدم وجود كتل نفوذ تتبع لهذا الطرف أو ذاك على غرار كتلة شرق أوروبا “السوفيتية” وكتلة غرب أوروبا “الأمريكية”. كما أن التصادم لا يأخذ الطابع الخشن المباشر وإنما يتم بأدوات تقنية واقتصادية هجينة.

يُضاف إلى ذلك أن كلا الدولتين ليستا في صدد تحمّل كلف القيادة والتوجيه لتيار معين في النظام الدولي، لأن ذلك يتطلب انتشاراً عسكرياً وقدرات اقتصادية، ولا يوجد دولة تملك ترفَ تحمُّل كلف الإنفاق الخارجي في ظل تبعات أزمة جائحة كورونا وما أحدثته من تغيير في أولويات الدولة نحو القضايا المحلية.

وعليه؛ تُدرك كلا الدولتين أن المكاسب المتحققة من إحداث نقلة إيجابية في العلاقات المتبادلة، ستنعكس إيجاباً على الواقع المحلي وعلى ترتيب السياسة الخارجية بما يتلاءم مع المستجدات التي لا يمكن إدارتها بنفس المنطق السابق.

(ستراتيجكس)





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق