كنا في نقاش مفيد الى حدٍّ ما، أكثر ما أعجبني فيه اعتراف بعضهم بأنهم غير مؤهلين معرفيا للخوض في الموضوع، لكن هذا لا يمنع من الانصات والاستفادة.
ولم تكن الجلسة بلا متنطحين لما هم ليسوا أهلا له، وأسوأ ما فيهم أنهم يرفضون الرأي المختلف عما يعشش في رؤوسهم مهما كان قوي الحجة وساطع البرهان.
كان رأيي وسيظل، أن الثقافة البدوية الذكورية اخترعت تعدد الزوجات، وليس النص الديني، مثلما ابتدعت فتاوى يمتح مصدروها من رسيس العوالق البدائية، منها “نكاح الجهاد”، على سبيل المثال لا الحصر. ولا ننسى الاصرار على “شرعنة” زواج القاصرات.
جن جنون بعضهم، ليتكشف بعد قليل فقرهم المعرفي بالنصوص القرآنية ذات العلاقة. هنا، المصيبة، ثمة من يتنطح في النقاشات من أجل النقاش فقط مدفوعا بعواطفه وغرائزه. لنتوقف عند الآيتين (2و3) في سورة النساء (﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً. وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا”)).
في السياق التاريخي، أو سبب النزول كما هو معروف، “بعد معركة أحد، حيث هُزم المسلمون واستشهد كثير منهم، لهذا السبب تناولت الآية الأولى قضايا المرأة ووجود عدد كبير من اليتامى والأرامل، وقننت الآية الزواج والطلاق والمواريث.
ويجب ملاحظة صيغة الشرط في الآية الثانية، التي تربط بين الاباحة وبين الخوف من عدم العدل بين اليتامى، وهو ما يؤكد أن الأمر ليس أمر تشريع دائم، وانما هو تشريع مؤقت لمعالجة موقف طارئ”(د. نصر حامد أبو زيد: قراءة في خطاب المرأة، ص217). ومن خلال ربط ما جاء في الآية (3) وعلى وجه التحديد(فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة) مع الآية (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)(النساء 129)، فان الخطاب القرآني يكاد يلغي التعدد. بحسب منهج التحليل اللغوي، فان الآية (129) في سورة النساء تعني نفي العدل بين النساء في حالة التعدد نفيا مطلقا. التبدي الأجلى لهذا النفي، فاقع الوضوح في بناء الجملة الشرطي أولا، ومن خلال استخدام حرف الشرط “لو” ثانيا. الحرف “لو” يفيد امتناع وقوع الجواب لامتناع وقوع الشرط. ومعنى هذا التركيب أن الحرص على العدل-مجرد الحرص- لن يقع، وعلى ذلك يمتنع وقوع العدل امتناعا كليا. “لكن الأهم في التركيب القرآني للآية، بدؤها بحرف النفي “لن”، الذي يفيد التأبيد، أي نفي حدوث الحدث في الحاضر والمستقبل معا، هذا بالاضافة الى تقديم جواب الشرط المنفي على فعل الشرط المنفي هو أيضا بالحرف “لو”. نحن اذن، ازاء حالة من النفي المركب على مستوى الدلالة، نفي امكانية العدل بين النساء نفيا أبديا، بل نفي محاولة الحرص على تحقيق هذا العدل”(قراءة في خطاب المرأة، ص 289).
وعليه، يمكن فهم ما ذهب اليه محمد عبده بخصوص تعدد الزوجات وأحكامه في القرآن، اذ يقول:”الاسلام خفَّض الاكثار من الزوجات، ووقف على الأربعة، ثم أنه شدد الأمر على المكثرين الى حد لو عقلوه لما زاد واحد منهم على الواحدة”(المرجع السابق نفسه، ص 219).
ولكن كيف سيعقلوه، وقد سيطرت على عقول بعضهم ذكورة بدوي الصحراء، بمدلولها الغرائزي خاصة؟! وتتعاظم مشكلة تكلس العقول وتحجر بعضها، اذا أضفنا الى ذلك المجادلة بالعواطف دون علم بقواعد اللغة العربية وفقهها وفنون التعبير فيها. بالمناسبة، يُلاحظ أن هناك من يجادلون بالقرآن أحيانا، ومعرفتهم بمعاني الآيات التي يستخدمونها ضحلة الى حدود مُحرجة.
وبالعودة الى موضوعنا، أي تعدد الزوجات، فمن المعروف أن الوعي الحديث لا يستسيغه حتى على صعيد اللفظ، ومن المؤكد أنه مرفوض البتة بمعايير العصر. وأعتقد أن لا أحد منا يجرؤ في ندوة مشتركة مع مفكرين من الدول المتقدمة، على القول بأن ثقافتنا تسمح بتعدد الزوجات حتى لو كان من المقتنعين بذلك.
السلام عليكم.
المعلومات من كتابنا: (معالم في طريق النهوض).
