في الطريق إلى العقبة، توقفت اليوم بحسينية بن جازي في معان. وقفة سريعة لتناول القهوة والتزود بالوقود.
لفت انتباهي غرفة صغيرة وقديمة تقدم الأراجيل، فضعفت أمام رائحة التبغ والفحم الطبيعي. دخلت، فاستقبلني شاب في مقتبل العمر، بثوبٍ سكني أنيق ولحية خفيفة تُغطي سمار وجهه الوسيم.
تعارفنا للحد الذي سمحت به الوقفة السريعة ودعاني إلى أرجيلة. هو من عشيرة الدعاجين التي تنتمي لقبيلة الشرارات، لم يتوانى بأن يُجسِّد هذا الفتى كمًا من دفء الضيافة وكرم الاستقبال لم يسبق أن شعرته من قبل إلا في معان. في معان، حيث الجود بكل ما تملك، والصوان الذي يبعث عليك من حدته نورًا وضياء.
تشعر بالحديث معه بأنّك تتحدث مع الأردن المنسي؛ ذلك الذي لا يتردد في استقبالك والحفاوة بك كائنًا من كُنت، يُغيثك ويُقويك، الأردن الذي على البال، الحاضر في عِزّة نفسه وكرمه الغائب عن كل دفاتر التنمية ومؤشراتها خارج عمّان.
بفرشٍ بسيط ومروحةً تُكرر الهواء الساخن، يأخذك الحديث حتى تخوم الجرف وقاع جبوع وجبال الخشة. هناك، حيث تتكور الأنفة وتسيل قطرةً قطرة لتؤكد أن هذا التراب لنا. نحن منه وإليه. نختلف أحيانًا معه، لكن أبدًا لا عليه. الأردن الذي يلفظ الفتنة ويتعافى بإيمان أبناءه وبناته فيه. الأردن الممتد عبر مئويات خَلت، ما توانى ولا لان، رغم كل ما يحاك ضده وعليه بين الحين والآخر. رغم كل من يراه ممرًا لا مقر، ويتخيلّه مجرد حدود مُصطنعة، لا وجود مستمر راسخ.
وقفةً سريعة كهذه تذكرك بأننا الأجدر بالاحتفال بوطننا، صحراءه وجباله وأحاديثه وموروثه وعاداته ولهجاته وأهازيجه، ولو استكثر البعض علينا هذا كما بتنا نشاهد مؤخرًا. ذلك أن هذا هو الأردن الذي يستحق ما يُغنى في كنفاته أنّ العُمُر شِبه القُمَر.. ما ينشبع منه.
