في مطلع الشباب، أُعجبت بكتاب «قصة الإيمان»، فقرأته عشرات المرات حتى كدت ان أحفظه، كان حيران بن الأضعف، التلميذ الذي طرده «مشايخه» من بلدته بعد ان عجزوا عن إجابة أسئلته «الحائرة» حول الوجود، قد التقى الشيخ نديم الجسر مفتي طرابلس – لبنان، فبدأ بينهما حوار طويل عن التوحيد والكون والإنسان في إطار «الفلسفة والعلم والقرآن» انتهى الى اقتناع التلميذ بمنطق أستاذه.. وإيمانه بدعوته..
صورة «حيران» – منذ ذلك – ظلت تطاردني لكنها في هذه الأيام أصبحت أكثر إلحاحا، لا بحثا عن «الإيمان» فقط، هذا الذي نسعى الى تجديده في كل لحظة، وإنما -ايضا – للبحث عن «الإنسان» هذا الذي انحدرت قيمته -للأسف – حتى أصبحت «ارخص» من اي شيء آخر.
مشكلة «حيران» الجديد انه يسأل كثيرا ولا يجد من يُجيبه، يبحث -طويلا – ولا يصل الى الحقيقة، يشكو – مفزوعا – دون ان يسمعه احد، يهرب من زاوية الى أخرى ولا يعثر على من يدله على الطريق، او يشعره بالدفء، او يطفئ حرارة «الشك» داخله بقطرة من يقين.
قصة «الإنسان» مع حيران تبدو غامضة بامتياز، والسؤال الذي يحيره هو سؤال «الكرامة» كرامة الإنسان العربي الذي هشمته خيارات «السياسة» واضطراباتها، وأخجلته دعوات «المحاصصة» واشتباكاتها، وتناوشته سهام التقسيم والتضييق وضربات الإقصاء والتخويف واصطفافات الترهيب التي انتهت من تفكيك الدول فبدأت بتفكيك الإنسان.
يسأل حيران عن الإيمان فيصغي اليه الشيخ بهدوء، ويتدرج بالإجابة عن أسئلته واحدا بعد الآخر، ويسأل حيران الجديد عن «الإنسان» وعن «الأوطان» وعن نبوءات هذا «الزمان» وعن العبث الذي يجري في كل مكان، فترتد أسئلته اليه على شكل صدى لا يفهمه، وأجوبة غامضة لا يستطيع التقاطها وحروف مبعثرة لا تصلح لتشكيل جملة مفيدة.
يتابع حيران أخبار الساعة، ثمة حروب تشتعل وأخرى قادمة، ثمة بلاد كثيرة تتغطى بجلباب الخوف، وثمة من يقايض على «المواقف».. ثمة قضية «كبرى» تقرر شطبها من «جدول» الأعمال الدولي، وثمة عالم عربي مفزوع يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ما يهم حيران، وسط كل هذه الأخبار المخجلة، هو الإنسان؟ قصة الإنسان العربي الذي تحول الى «ملطشة» هي التي أحيت في قلب حيران أسئلة الواجبات والحقوق، أسئلة الدولة والمواطنة، أسئلة الحرية والخوف، الديمقراطية والاستبداد، والتنمية والفقر، التخلف والنهضة، الجهل والتعليم، وهي أسئلة «الوجود» على هذه الحياة كما يراها حيران الجديد، أسئلة الحاضر والمستقبل بالنسبة للإنسان.. اي إنسان.
ترى، من يستطيع ان يلتقط هواجس حيران وشكوكه او ان يأخذها – على محمل الجد – فيرد عليها بدون انفعال؟ من يستطيع ان يبددها ويعيد لهذا الشقي ما افتقده من أمل وسكينة .. او ان يدله على طريق «اليقين» من يستطيع؟؟ (الدستور)
