حكاية أكبر عملية انتحار جماعي في التاريخ الحديث

هلا أخبار – تحل في مثل هذا الوقت الذكرى الـ43 لأكبر عملية انتحار جماعي في التاريخ الحديث والتي راح ضحيتها 913 شخصا، من بينهم حوالي 300 ممن كانوا في سن 17 عاما أو أقل، والذين لقوا حتفهم بتناول السم.

وتقول دائرة المعارف البريطانية إنه في مثل هذا الوقت من نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1978 شهدت بلدة جونز تاون الزراعية في جمهورية غيانا بأمريكا الجنوبية حادثة انتحار جماعي لأعضاء طائفة معبد الشعوب، التي اتخذت من كاليفورنيا مقرا لها، بناء على أمر من زعيمهم جيم جونز ذو الشخصية الكاريزمية والمصاب بجنون العظمة.

افتتح جونز كنيسته الأولى في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي في إنديانابوليس. وفي ذلك الوقت لم يكن ينتمي إلى طائفة معينة ولم يكن لديه تدريب لاهوتي.

واشتهرت رعيته بالتكامل العرقي حيث كان تقدميا بشكل خاص في ذلك الوقت (كان جونز نفسه أبيض). وفي عام 1960، كان مجمع جونز، الذي كان يسمى آنذاك معبد الشعوب، تابعا لكنيسة تلاميذ المسيح وبعد ذلك بـ 4 سنوات تم ترسيم جونز في تلك الكنيسة.

وفي منتصف الستينيات، قام هو وزوجته بنقل معبد الشعوب إلى كاليفورنيا واستقر خارج بلدة أوكيا مع حوالي 100 من أتباعه معتقدين أن هذه الخطوة ستحميهم في حالة وقوع محرقة نووية.

وفي عام 1970 بدأ جونز في إقامة الصلوات في سان فرانسيسكو، وبحلول عام 1972 افتتح معبدا آخر في لوس أنجليس.

بدأ جونز في تكوين صداقات بين السياسيين والصحفيين في كاليفورنيا وأصبح رجل كنيسة محترما. وتوافد عليه الآلاف من الأتباع وكانت نسبة كبيرة منهم من الأمريكيين من أصل أفريقي.

وكان مصدر جاذبية جونز هو أحاديثه عن قراءة العقل وشفاء الروح.

وبينما كان معبد الشعوب نشطا في القضايا الإنسانية في المجتمعات المحلية، كانت معاملة جونز لأتباعه في كثير من الأحيان أقل من إنسانية.

فقد تعرض أعضاء المعبد بانتظام للإذلال والضرب والابتزاز، وتم إكراه العديد منهم أو غسل أدمغتهم للتوقيع على تنازل عن ممتلكاتهم، بما في ذلك منازلهم، للكنيسة.

وكان الأعضاء السود وأعضاء مجموعات الأقليات الأخرى مقتنعين بأنهم إذا غادروا كنيسة معبد الشعوب فسيتم القبض عليهم في معسكرات الاعتقال التي تديرها الحكومة.

وتم إبعاد أفراد الأسرة عن بعضهم البعض، وتشجيعهم على الإبلاغ عن بعضهم البعض. بحسب دائرة المعارف البريطانية.

وفي عام 1977، وبعد أن بدأ الصحفيون في طرح الأسئلة حول ممارسات جونز، انتقل مع عدة مئات من أتباعه إلى جونز تاون، وهو مجمع كان يبنيه في غيانا، واستغرقت عملية البناء بين 3 إلى 4 سنوات.

وقد وصفت برقية من سفارة الولايات المتحدة في غيانا إلى وزارة الخارجية الأمريكية في يونيو/حزيران من عام 1978 الاستقلال الذاتي الذي وجده جونز لاحقا في غيانا على هذا النحو: “خلال الزيارات القنصلية، لوحظ أن إدارة غيانا المحلية ذات سيطرة محدودة أو حتى معدومة على مجتمع جونز تاون، وأن استقلالية المستوطنة تبدو شبه كاملة”.

ومضت البرقية تقول: “ويرجع ذلك إلى مجموعة متنوعة من الأسباب التي تشمل حقيقة أن المنطقة المعنية نائية، وبالتالي فإن الآلية الإدارية للحكومة مرهقة بالفعل بالتزاماتها تجاه مواطني غويانا الذين يعيشون في المنطقة، كما أن أعضاء مجتمع المستوطنة مكتفون ذاتيا على ما يبدو ولا يسعون بنشاط إلى أي اتصال واسع النطاق مع البيئة المحيطة التي تقع فيها مستوطنتهم”.

واختتمت البرقية قائلة: “ما لدينا هنا هو مجتمع من المواطنين الأمريكيين موجود كوحدة قائمة بذاتها وذاتية الحكم في أرض أجنبية”.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1978، سافر عضو الكونغرس الأمريكي ليو رايان إلى غيانا لتفقد أنشطة كنيسة معبد الشعوب ومجمع جونز تاون.

وكان عضو الكونغرس يحقق في شائعات تفيد بأن بعض أعضاء الطائفة محتجزون رغما عنهم، وأن بعضهم يتعرض للإيذاء الجسدي والنفسي، بعد أن أعرب أفراد أسر أعضاء الطائفة في الولايات المتحدة عن قلقهم من أن أحباءهم محتجزون ضد إرادتهم.

وفي إحدى القضايا البارزة، طالب والدا طفل يُدعى جون فيكتور ستوين بحضانته بعد انشقاقهما عن الطائفة، وقد رفض جونز تسليم الطفل زاعما أنه والده.

وعقب وصوله إلى جورج تاون عاصمة غيانا، توجه رايان مباشرة إلى مجمع جونز تاون.

وخلال زيارته، أحضر عضو الكونغرس معه أقارب أعضاء بالطائفة وصحفيين قلقين لتوثيق الرحلة.

وبعد المقاومة الأولية، سُمح للمجموعة بالدخول للمجمع والقيام بجولات حيث قُدمت صورة جيدة إلى حد كبير للحياة اليومية فيه.

ويتذكر تشارلز كراوس، مراسل صحيفة واشنطن بوست في تلك الرحلة: “على عكس ما أخبرنا به الأقارب المعنيون لا يبدو أن أحدا يتضور جوعا إذ بدا الجميع بصحة جيدة”.

ومكثت المجموعة خارج المجمع طوال الليل وعادت في اليوم التالي. وخلال فترة وجودهم هناك، اتصل بالمجموعة ما لا يقل عن 12 من الأتباع الذين طالبوا بالعودة إلى الولايات المتحدة معهم.

وبينما كان رايان يستعد للعودة إلى الولايات المتحدة، صعد العديد من أعضاء الطائفة، الذين أرادوا مغادرة المجمع، إلى شاحنة وفده من أجل مرافقته إلى الولايات المتحدة.

وقد هاجم أعضاء آخرون رايان قبل وقت قصير من مغادرة السيارة للمجمع، لكنه نجا دون أن يصاب بأذى واستمرت الشاحنة وعضو الكونغرس على متنها.

وبينما انتظر الوفد رحلة العودة، نصبت مجموعة من مسلحي الطائفة كمينا للوفد وفتحت النار على مهبط الطائرات الذي كان من المقرر أن يغادر منه رايان وفريقه، فقُتل خمسة أشخاص، من بينهم رايان و3 من الصحفيين، وأصيب 11 آخرون.

في أعقاب إطلاق النار، أصدر جونز أوامره لاسلكيا لأعضاء الطائفة خارج المجمع بالانتحار.

وبعد ذلك بفترة وجيزة، أصدر جونز خطته “الانتحارية الثورية” في المجمع، والتي “مارس” الأعضاء محاكاة لها في الماضي.

وفي هذا الإطار، يتذكر الناجون أحداث “الليلة البيضاء” ، التي قد تكون أسبوعية في بعض الأحيان، حيث يعلن جونز عن أزمة بشأن سلامة المجمع.

وفي بعض الأحيان، تضمنت تلك الليالي حالات انتحار جماعي وهمية حيث يصطف الأتباع، بما في ذلك الأطفال، ويشربون عصيرا قيل لهم إنه ممزوج بالسم فيما يعد اختبارا للولاء.

وبالفعل تم إعداد شراب فواكه مع السيانيد والمهدئات ثم حقنه أولا في أفواه الأطفال والرضع، ثم شربه الأعضاء البالغون، ولم يكن اختبارا هذه المرة.

وجاء ذلك بعد أن حذر جونز الأتباع من أن جيش غيانا سيغزو المجمع ويأخذ الأطفال بسبب إطلاق النار في مهبط الطائرات.

ولقي جونز نفسه مصرعه متأثرا بعيار ناري.

ونجا أقل من 100 شخص من أعضاء الطائفة في غيانا من الحادث، وغالبية الناجين إما انشقوا في ذلك اليوم أو كانوا في جورج تاون.

واكتشف المسؤولون في وقت لاحق مخبأ للأسلحة النارية، ومئات من جوازات السفر مكدسة معا، و 500 ألف دولار أمريكي. وقد تم حل كنيسة معبد الشعوب فعليا بعد الحادث.

وتمت محاكمة رجل واحد فقط من أعضاء الطائفة هو لاري لايتون في الولايات المتحدة لتورطه في الحادث.

وقد أدين لايتون بالتآمر والمساعدة والتحريض على قتل رايان ومحاولة قتل المسؤول بالسفارة الأمريكية ريتشارد دواير وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة، وقد تم إطلاق سراحه في عام 2002.

كما أقر عضو آخر في الطائفة هو تشارلز بيكمان، بأنه مذنب في حاول قتل فتاة وقضى عقوبة بالسجن 5 سنوات في غيانا. (بي بي سي)





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق