النجار: تاريخ “ضفتي النهر” لم يكن يوماً منفصلاً

ولابد من إعادة كتابة السردية الوطنية الفلسطينية

هلا أخبار – افتتح وزيرا الثقافة الأردنية هيفاء النجار، والثقافة الفلسطينية الروائي الدكتور عاطف أبو سيف، أعمال مؤتمر “توجهات جديدة نحو بناء سردية وطنية علمية لتاريخ فلسطين والمنطقة”، اليوم الخميس في فندق اللاند مارك بعمان.

وقالت الوزيرة النجار في كلمة القتها بالجلسة الافتتاحية للمؤتمر الذي تنظمه وزارة الثقافة الفلسطينية “لم نكن في يوم من الأيام أحوج ما نكون فيه كهذه الأيام للسردية الوطنية الفلسطينية، التي تم اختطافها كما هي الأرض وتم تشويهها وإعادة كتابتها بما يتوافق وخطة السلب اللامتناهية والتي بدأت من الأرض مرورا بالإنسان وليس انتهاء بتاريخه وحكاياته ومثيولجياته التي لابد أن نعيد كتابتها وتوثيقها وترسيخها بكل الوسائل البحثية والدرامية والفنية وغيرها”.

وبينت “نحن اليوم أمام تحد كبير لا يمكن وصفه في هذه العجالة، هو من نحن في ظل من يحاول اختطافنا؟ وكيف نبني سيرتنا وسيرورتنا الإنسانية والثقافية في مواجهة سيرورة غريبة لا ترتبط بجذر تاريخي، تحاول اصطناع ذاتها على حساب غيرها”.

وأضافت، أن الحديث عن السردية الفلسطينية يعني الحديث عن التاريخ نفسه مع شقه الآخر على الضفة الأخرى، ذلك أن تلك الجغرافيا وتاريخها القديم على ضفتي النهر لم يكن يوماً منفصلاً، بل متداخلاً في كل مراحله، وحتى يومنا هذا”.

وأشارت إلى أنه في التاريخ الحديث، كان لملوك بني هاشم، عهدٌ ووعدٌ لرعاية حق المقدسات، حيث أولوه كل اهتمامهم، والتصق بوجدان الشعب الأردني وضميره، وشكل الأردن معه انموذجاً للعلاقة التي تربط بين أشقاء التضحية والإخلاص، وأخوية التراث والعادات والتقاليد المشتركة.

وذكرت أن فلسطين كانت تاريخياً وما تزال موئلاً للكثير من الروايات والسرديات التاريخية والدينية المتعلقة بوجدان الإنسان وضميره، كما كان لهذه الجغرافيا الممتدة نصيب وافر من الفعل الإنساني المتراكم، مؤكدة أهمية هذا المؤتمر لإعادة كتابة رواية وسردية بلادنا في هذه المنطقة، استناداً إلى ما وصلت إليه علوم الآثار والنقوش.

من جهته، لفت الوزير ابو سيف في كلمة القاها بالجلسة الافتتاحية، إلى رواية الصناعة الاستعمارية والاسرائيلية المشوهة بين الحقائق والمعتقد وبين الارتباط والفعل بالأرض والغايات والأهداف، مبينا أن الصراع الحقيقي هو صراع تاريخي وان المؤتمر يأتي ضمن نسق إعادة بناء السردية الفلسطينية.

واضاف ان إعادة بناء السردية ليس بحثا تاريخيا وحسب وإنما هو لبناء تاريخ وسردية المنطقة وإعادة الاعتبار لهذه السردية الوطنية وهو جزء مهم للمحافظة على وجودنا كفلسطينيين وعرب في هذه البلاد والمنطقة ويتطلب تأسيس سردية عربية تاريخية وفق أسس علمية واعتباراتنا كفلسطينيين وعرب.

ونوه في كلمته، برفات شهداء القوات المسلحة الأردنية-الجيش العربي على تراب القدس، الأمر الذي يؤكد عمق التلاحم المشترك بين الشعبين الشقيقين الفلسطيني والاردني وبالتالي يملي علينا بناء سردية مشتركة.

وقدم الوزير ابو سيف، شكره للأردن على استضافة هذا المؤتمر الذي يعكس توجهات جلالة الملك عبدالله الثاني في الدفاع عن المصالح العربية والوقوف دائما مع فلسطين وقضيتها وشعبها.

بدوره، اشار رئيس المؤتمر الدكتور باسم رعد، في كلمته الى ان معظم الشعوب تخلق قصة تاريخية وتستخدمها لبناء أهدافها وتوظفها بطريقة مهمة، إلا أنه للأسف فلسطين مازالت تفتقد لهذا بالرغم من تاريخها الطويل والثري على امتداد عشرات الالاف من السنين، وهذا الأمر ينطبق على كل دول المنطقة التي تم تقسيمها رغم أنها أنشأت اولى الحضارات في العالم واول ابجديات العالم.

ودعا إلى ضرورة ان نكتب تاريخنا وسرديتنا بأنفسنا وان لا نعتمد على الآخرين وعلينا أن نطور أنفسنا من خلال توظيف الاكتشافات العلمية التي ستبدد كل الأساطير التي يستخدمها الاحتلال الاسرائيلي في صناعة روايته.

وفي الجلسة الأولى التي ادارها الدكتور عمر الغول وجاءت بعنوان “المادة الحضاري في العصور القديمة.. الأبعاد والتداعيات” تحدثت الدكتورة دعاء الشريف من مصر في ورقتها بعنوان “تاريخ كنعان في السجلات الأثرية من العصر النحاسي إلى الحديدي 4500 ق. م إلى 1200 ق. م”، عن تاريخ الحضارة الكنعانية التي أقامت حضارتها بطريقة سلمية، مضيفة رغم انهم ابتكروا الأبجدية الصوتية الا انهم لم يهتموا بتسجيل تاريخهم أسوة بحضارتي مصر القديمة وبلاد الرافدين، وأن هذا شكل مشكلة المؤرخين في تتبع ماضيهم.

ولفتت إلى أن المتوفر من دراسات وابحاث تعود إلى العلاقات القديمة بين حضارتي كنعان والحضارة المصرية القديمة لاسيما رسائل تل العمارنة.

وأشارت إلى أن العلاقة بين الحضارتين بدأت في الألفية الخامسة قبل الميلاد، مستعرضة تاريخ بلاد الشام القديمة لاسيما الجزء الغربي منها.

وبينت، أن الكنعانيين تركوا آلاف البقايا الأثرية بما في ذلك المدن والمستقرات والمعابد والموانئ ليس فقط على أرض كنعان ولكن أيضاً في جميع المدن على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

وعبر تطبيق التواصل عن بعد (زووم) تحدث الدكتور غطاس صايج من النرويج بورقته التي حملت عنوان “فترة العصر الحجري الحديث في فلسطين ما بين التطور الطبيعي والمنافسة البشرية”، عن فترتي العصرين الحجري والحجري الوسيط وشواهد السكان مبيناً أن السكان في فترة العصر الحجري الوسيط بدأ اهتمامهم بالنباتات وتدجين الحيوانات وصيد الأسماك لاسيما في بحيرة طبريا.

كما تحدث عن فترة العصر الحجري الحديث حينما انتشرت الزراعة وبناء المنازل المستديرة المستقلة وصناعة التماثيل وتدجين الحيوانات وصناعة الفخار وأدوات تخزين المواد، مشيراً إلى ان أهم مناطق هذه الفترة هي عين غزال في الأردن وتل ابو هريرة وتل الأسود في سوريا وتل السلطان في اريحا بفلسطين.

وفي ورقته التي حملت عنوان “نحو منهجية في فهم المادة الحضاري..حالة دراسية للمعابد والممارسات الطقسية في فلسطين خلال العصور القديمة ما قبل الفترات الكلاسيكية” لفت الدكتور هاني نور الدين من جامعة القدس في فلسطين، إلى ضرورة التعامل مع مصطلح المعبد وفحواه الوظيفي في إطار تحليلي واضح باعتبار ان المعبد من أهم عناصر المادة الحضاري المعمارية وما تحتويه من أبعاد طقسية تنعكس على البعد الديني والعقائدي لدى المجموعات السكانية.

وبين، أنه لا يمكن التعامل مع الظاهرة المعمارية “المعبد” بمعزل عن البعد المكاني والطوبوغرافي بالإضافة إلى تحليل حيزه الوظيفي وتراكماته الزمنية والتي تمثل اهم العناصر الاساسية لفهم المعنى الواضح والموضوع للمعابد في حالات عديدة.

وتحدث عن أن كثيراً ما درس الاثاريون معابد فلسطين ضمن منهجية ضيقة ومحددة بحيث اعتنت بموقعها ومخططها بعيداً عن دراسة مجمل عناصر المعبد المعمارية والمواد الحضاري الأخرى في سياق طبقي من أجل فهم حيزه المعماري ولأهميته الوظيفية.

وخلص في كلمته إلى أنه من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار أهمية التتبع والتقي للمعابد في مفهومه كمكان مركزي للتجربة التراكمية الدينية ليس في فلسطين وحدها وإنما في معظم منطقة الهلال الخصيب.

وبدوره تحدث الباحث مازن عويس في ورقته “العنف السياسي – الاثري غير الحكومي.. إعادة التنقيب عن نظرية ” الفتح الاسرائيلي لكنعان”، عن ثلاث نظريات وضعها في سياق مفهوم ورقته على التدمير الممنهج للأثار الفلسطينية اتكأت على معالجة النظرية السياسية – الأثرية (الاركيوسياسي) وتدخلات الوكالات غير الحكومية في هذا التدمير، ودور جمعية الأبحاث الإسرائيلية.

كما تحدث عن دور جمعية الأبحاث النورانية التي نفذت عدة مشروعات أثرية في الضفة الغربية منذ سبعينيات القرن الماضي ضمن مشاريعها لترتيب الازاحة في الرواية التوراتية والتي تركز على إعادة اختراع نظرية الغزو في سفر يشوع.

وفي الجلسة الثانية التي حملت عنوان “النقوش واللغات القديمة” وادراها امين عام وزارة الثقافة هزاع البراري، دعا الدكتور خالد ايوب في ورقته التي حملت عنوان “اخطار القراءات الخاطئة للنصوص الاثرية على الثقافة العربية عامة والفلسطينية خاصة”، إلى ضرورة النظر في حال علم الأثار على هيئته الراهنة لتصحيح التاريخ الذي اعتبره ليس افضل حالًا من علم التاريخ، رائيًا أن علم الاثار الحالي لا تصلح معطياته لأن تكون اساسًا للتصحيح.

وعرض أهم قواعد المنهج المتبع في قراءة النصوص الاثرية مستعرضًا بعض علامات المنهج الذي اتسم بأهمال وحدة اللغة ولهجة النص الاثري.

وتحدث الدكتور اياد يونس في ورقته التي حملت عنوان الهوية الكنعانية لفلسطين من خلال النقوش والكتابات القديمة” عن ان الادلة الاثرية والشواهد الكتابية، تؤكد أن الفلسطينيين القدماء كنعانيون وارضهم ارض كنعان، مشيرًا إلى أنه في العديد من الوثائق القديمة مثل وثائق ممالك إيلا وماري ورسائل تل العمارنة والنصوص الحثية والبابلية رود اسم فلسطين للدلالة على الكنعانيين.

اما الدكتور عمر الغول الذي حملت ورقته عنوان “التوصيفات الاثنية للغات جنوب بلاد الشام في العصر الحديدي الثاني” رأى ان المشتغلين بالأثار واللغات القديمة ونسبهم النصوص الراجعة للعصر الحديدي الثاني المكتشفة بجنوب بلاد الشام الى لغات معينة كالعبرية والارامية والمؤابية والادومية إلى أنها متطابقة مع الرواية التوراتية للجماعات السكانية التي عاشت جنوب بلاد الشام في تلك الفترة دون النظر إلى اننا ما عدنا نسلم اليوم بأن هذه الجماعات كانت جماعات ذات سمات اثنية متمايزة كما صورها العهد القديم، وأن عدد الشواهد في بعض هذه اللغات قليل جدا لا يجعلها اهلا للتصنيف وان الفروق اللغوية بينها في اغلب الاحوال طفيفة.

وفي الجلسة الثالثة والاخيرة من اليوم الاول للمؤتمر والتي ترأستها الدكتورة نادية سعد الدين وحملت عنوان “المصطلحات والمفاهيم حول الاثار والثقافة..المفاهيم الخاطئة وتصحيحها”، تناول الدكتور يوسف المحمود في ورقته التي حملت عنوان “قراءة جديدة لأسماء المواقع الفلسطينية” اعتماد القراءة وتقديم قراءات سياسية تخدم مشاريع استعمارية بعيدة عن العلمية واستخدام مناهج مخالفة للبحث والعلم مثل تطويع اسماء المدن والقرى والمواقع في فلسطين لتتلاءم مع قوائم اسماء موضوعة مسبقًا لخدمة مشاريع تهدف للاستيلاء على المنطقة، والاستيلاء على الاسماء العربية القديمة كونها تنطق بلهجات عربية قديمة ولادعاء بانها تنتمي الى لغات غير عربية.

بدوره تناول الدكتور باسم رعد في ورقة بعنوان “المصطلحات المستخدمة عن تراث واثار فلسطين والمنطقة وضرورة تغييرها”، ضرورة المراجعة الكاملة لمعظم المصطلحات التي نستخدمها فيما يتعلق بفلسطين والمنطقة، لافتًا إلى المصطلحات التي يستخدمها الغرب والصهيونية والتي من التكرار اصبحت تهيمن على العلم والاعلام، والمصطلحات التي نستخدمها باللغة العربية او عند الكتابة خاصة للجمهور الغربي والتي تنسخ وتترجم احيانا من الممارسات الغربية.

اما الدكتور ضرغام فارس لفت في ورقة حملت عنوان “خرافة السامية العرقية واللغوية” إلى أن مصطلح السامية ورد في التوراة التي تعد اكثر الكتب انتشارا وتداولا حول العالم وتوظيف الكتاب المقدس سياسيا من طرف الحركة الصهيونية التي استخدمت مصطلح “السامية” لتمييز اليهود عرقيا عن محيطهم .

ولفت إلى أن مصطلح السامية ليس مصطلحًا علميًا من الناحية التاريخية واللغوية لتصنف بموجبه اللغات.

وختم الجلسة الدكتور عمر عبدربه بورقة حملت عنوان “كيف يصنع علم الاثار لخدمة الادعاءات التوراتية في القدس..الاماكن والمفاهيم” دعا فيها الى اتباع اسلوب ومنهجية متعددة الاتجاهات والتخصصات في دراسة تاريخ فلسطين وكتابته.

ويواصل المؤتمر الذي تنظمه وزارة الثقافة الفلسطينية في عمان ويستمر ثلاثة أيام، غدًا الجمعة جلساته.

 






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق