المبالغة في توتير العصب العام

كتب ماهر أبو طير

فرق كبير بين التواصل المعلوماتي الذي يفيد الناس، وبين زيادة توترهم، امام ظروف عادية، يعرفها كل من يعيش الأردن، وليست جديدة عليه أبدا، والادلة على ذلك كثيرة.

خذوا مثلا المنخفض الجوي الحالي، إذ تشعر من كثرة الاخبار في هذا الصدد، وطريقة المعالجة أننا أمام أول مرة لمنخفض قد يأتي بالثلوج في بعض المناطق، هذا على الرغم من أن الأردن، تاريخيا، يشهد وصول منخفضات جوية، وكثير منها ما يكون قطبيا محملا بالثلوج، وهذا امر معتاد هنا.

لكننا نتورط بذات الطريقة كل مرة، حيث تبدأ تقارير النشرات الجوية، المكتوبة والمتلفزة، وبعضها يناقض بعضها الآخر، وتبدأ تقارير الحرب عن حالة الطرق، واذا سقطت الثلوج بشكل عادي جدا، وربما أقل من عادي، يتم بث تساقط الثلوج بشكل مباشر، وكأننا آمام حدث مختلف، وهو أمر لا نراه في اعلام الدول التي تشهد حالات شبيهة، اذا يكفي تقديم ملخص كلما جرت الحاجة، دون شد العصب العام، نحو حدث يتم تقديمه بشكل استثنائي، وكأنه جديد على الأردن.

وفي ذات المسار الموازي، تنهمر ذات الاخبار كل سنة، وكأننا في وليدة، فتتم طمأنة المواطنين عن توفر الخبز في المخابز، وعن وجود اسطوانات غاز كافية، ولاحقا، يتم اصدار نشرات حول عدد الارغفة التي استهلكها الأردنيون ومن يعيش معهم، خلال المنخفض الجوي، وعدد اسطوانات الغاز التي بيعت، وقد يصل الامر، الى رصد عدد شهقات التنفس خلال المنخفض.

هذه مبالغة، وكأننا امام ازمات طبيعية كبرى، او كوارث، برغم أننا في هذه البلاد نعرف المنخفضات ويكفينا نشرة معلوماتية قصيرة، فيها اهم التحديثات حول حالة الجو والطرق في الأردن، مثل دول العالم، حيث لا تسمع في نيويورك مثلا، تصريحا لعمدتها حول توفر القهوة او الوقود او الخبز.

هذه العقلية موروثة من زمن قديم، حيث كانت وسائل الاعلام محدودة جدا، وكل الأردن تستمع صباحا الى برنامج البث المباشر الصباحي لتعرف حالة الطقس، وبقية التطورات، او الى نشرة الاخبار المسائية لتعرف المستجدات، حول الطقس والدوام والمدارس وغير ذلك من تفاصيل.

ذات الطريقة نعيشها في رمضان، مثلا، ومنذ بداية اي شهر رمضان، تدق طبول الحرب، وتنهمر التقارير حول توفر اطنان الدجاج، واللحوم، ثم اسعار الحلويات، وعدد الارغفة المستهلكة، وغير ذلك من قصص نسمعها كل رمضان، بطريقة بدائية، تقول اننا نقف على قدم واحدة ذعرا من ظرف عادي، يمر علينا كل سنة، ولا تعرف هل هذه هي ثقافة شعبية ام ثقافة رسمية، اي ثقافة التوتير، ومشاغلة الرأي العام بقضايا اقل من عادية، وليست مستجدة على هذا البلد.

قد يخرج من يرد ان هذه مكاشفة، ومحاولة للتواصل مع الرأي العام، عبر الاهتمام بشؤون الناس، ووضعهم في صورة المستجدات، حول كل شيء، من الطرق التي قد تغلق بسبب الثلوج، او العواصف، او الضباب، وصولا الى انقطاعات الكهرباء المحتملة، ووضع المواد التموينية في الاردن، وقد يكون الكلام هنا صحيحا، لكنني أتحدث عن المبالغة، والتوتير، وكأننا امام ظروف مستجدة على الأردن لأول مرة، أو اننا امام ظرف خارج عن السيطرة، فتتم المبالغة بجرعة التوتير هنا، وكل جهة تدلي بدلوها ومعلوماتها، وقد كان بالإمكان الاختصار بكل هذا، خصوصا ان هناك بعثرة للوعي العام، عبر إشغال الناس، بعدد الأرغفة المستهلكة، وعدد الاسطوانات المباعة.

في دول عربية واجنبية، تمر عليها ذات المواقيت، من منخفضات الشتاء، الى رمضان، وغير ذلك لا تجد هذه الطريقة في ادارة الامور، وكل ما يفعلونه مجرد نشرة مختصرة جامعة، دون قلب الاجواء كلها وكأننا امام ظرف استثنائي، نتعرف عليه لأول مرة، وهذا يفرض التخفيف من كثرة البيانات التي تصدرها كل الجهات في ظرف مثل المنخفضات الجوية، وجمع المعلومات الأكثر اهمية في بيان واحد مختصر، كل ساعة، او عدة ساعات، ودون هدر ملايين الكلمات والساعات الاذاعية والتلفزيونية في تغطيات تجعلك تشعر اننا امام مفرق طرق، إما ننجو، وإما لا ننجو منه. (الغد)






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق