محددات النمو

كتب سلامة الدرعاوي

معدلات النمو الاقتصادي في آخر 10 سنوات والتي تدور حول الـ2 % هي معدلات متباطئة للغاية، لا يمكن ان تقرأ من منظور أنها قادرة على خلق فرص عمل جديدة للخريجين الأردنيين الذين يدخلون لسوق العمل والذين تقارب أعدادهم الـ156 ألف خريج منهم 88 ألف خريج جامعي.

معدلات النمو المتباطئ بحدود الـ2 % تعني ان قدرة الاقتصاد على خلق فرصة عمل بالنسبة للقطاع العام شبه معدومة ولا تتجاوز الـ6000 فرصة عمل سنويا، في حين يئن القطاع الخاص من تخمة كبيرة في التوظيف مورست عليه كما هو في القطاع العام، وبات – أي القطاع الخاص- غير قادر على التوظيف رغم ربحيته العالية في بعض القطاعات لأنه بالأصل متخم من التوظيف الذي تساقط عليه بالبراشوت خلال السنوات الماضية، وبالتالي فإن المشهد العام للتوظيف الداخلي في الأردن محدود إن لم يكن معدوما في القطاعين على حد سواء.

وهنا تكمن المشكلة الرئيسة في الاقتصاد انه لم يعد ينمو أفقيا، أي انه لا يتوسع استثماريا لتوفير فرص عمل جديدة، فعندما تسأل أي منشاة اقتصادية عن عدد العاملين لديها خلال عشر سنوات على سبيل المثال لا الحصر ستجد الإجابة بأن الرقم لا يتغير، لا بل انه يتراجع في بعض الحالات.

نعم هناك حركة اقتصادية داخلية عالية للكثير من القطاعات الاقتصادية والذي ترجم بزيادة الأرباح، لكن كل هذا الأمر لم ينعكس في التوسع الاقتصادي للقطاع الخاص او الحكومة، لأن القطاعين مشبعان من التوظيف الكبير الذي بداخلهما.

شكل آخر من التوسع الاستثماري الذي مارسه القطاع الخاص والذي لم ينعكس إيجابا على التوظيف الداخلي لديه في الأردن هو الاستثمارات الأردنية في الخارج، فالكثير من المستثمرين الأردنيين أقاموا توسعات استثمارية بشقيها التجاري والصناعي في بلدان الجوار مثل مصر والعراق وتركيا على سبيل المثال والحصر، واستفادوا من الميزات الاستثمارية في تلك البلدان من حوافز ضريبية وجمركية وتسهيلات في التصدير وبيئة الأعمال، مما مكنهم من تحقيق أرباح عالية عوضا عن خسائر حققوها على ذات اعمالهم في المملكة، وكثيرا ما نسمع من هؤلاء المستثمرين ما يقولون إنهم يصرفون على مشاريعهم في الأردن من عوائد استثماراتهم من الخارج.

الأصل ان تكون التوسعات الاستثمارية لهؤلاء المستثمرين الأردنيين في الأردن وليس في خارجها كما يحصل، لكن نتيجة غياب البوصلة الاستثمارية الرسمية الرشيدة في تسهيل وتبسيط الإجراءات الاستثمارية أمامهم اضطروا الى التوسعة اعمالهم في الخارج، في حين ان عددا محدودا منهم أغلق مشروعه في الأردن ونقله للخارج.

لا يمكن ان يكبر الاقتصاد ويكون له أي قدرة على خلق فرص عمل جديدة وهو في هذه الحالة المزرية من البطالة المقنعة والجهاز الإداري الذي لا يملك مقومات جذب الاستثمارات وإزالة التعقيدات في بيئة الاعمال، فحالة التشابك في اتخاذ القرار المتعلق بالاستثمار معقدة للغاية مع كل أسف، وقد تراجعت قدرة الحكومة في ذلك كثيرا خلال السنوات الماضية، وهناك تأخر كبير في عملية الإصلاح في البيئة الاستثمارية، والتي لا يمكن لها ان تنهض وتكون أداة فاعلة في التوظيف وزيادة الصادرات وجذب العملات الأجنبية دون النظر إلى القطاع الخاص باعتباره الوسيلة الفاعلة والقادرة معا لتحقيق ذلك كما تفعل دول الجوار، فالتوظيف بيد القطاع الخاص وليس بيد الحكومة، وطالما بقي القطاع الخاص مغيبا ويعاني من مشاكل كبيرة بيروقراطية دون حل، ستبقى عمليات النمو الاقتصادي المتحقق غريبة ولا يمكن ان تترجم إلى وظائف جديدة، وستكون شكلا من أشكال التخدير الاقتصادي في إدارة أزمة تتزايد خطورتها وتداعياتها يوما بعد يوم. (الغد)






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق