الأحد, 25 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية

بخصوص التعديلات الدستورية واللجنة الملكية

عند قراءة ما تيسر لنا في الفترة ما بين إنهاء اللجنة الملكية لأعمالها وإرسال الحكومة لحزمة التشريعات إلى مجلس النواب بشكل رسمي، كان من الملحوظ ضعف الانسجام بين عمل اللجنة الملكية وما يدور من نقاشات عند الحكومة والمتعلقة تحديدا بتعديل قانون الجمعيات.

عند العمل على تعديل قانون الجمعيات، برز في فترة توجه جدي وتفكير عميق حول استحداث هيئة مستقلة تناط بها مسؤولية متابعة وتنسيق كافة شؤون مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية، وهي متعددة ومتشعبة، كالجمعيات (بأشكالها المختلفة) التي تتابعها وزارة التنمية الاجتماعية عبر سجل الجمعيات، والشركات التي لا تهدف إلى تحقيق الربح التي تتابعها وزارة الصناعة والتموين عبر مراقب عام الشركات، والأندية والهيئات الشبابية (بأشكالها المختلفة) التي تتابعها وزارة الشباب عبر مديريات الشباب في المحافظات والأقاليم ومديرية الأندية والهيئات الشبابية، والأحزاب السياسية التي تتابعها وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية عبر لجنة شؤون الأحزاب.

برزت في حينها وأثناء النقاش أسباب موجبة حقيقية لاستحداث تلك الهيئة، دون أن تتوافق التعديلات الدستورية المقترحة ضمن توصيات اللجنة الملكية مع هذا التوجه، رغم أن وزير الشؤون السياسية والبرلمانية عضو في اللجنة الملكية ونقل حتمًا أثناء نقاشات واجتماعات اللجنة وجهة النظر تلك، ولكن من الواضح بأن اللجنة الملكية ذهبت باتجاه آخر وهو عدم إنشاء هيئات مستقلة جديدة، وذهبت باتجاه إناطة المهام المنصوص عليها في قانون الأحزاب بالهيئة المستقلة للانتخاب، كونها هيئة مستقلة ومستحدثة بالأصل، بحيث لا تستدعي التوصية إنشاء هيئة جديدة، وعطلت مشروعًا حكوميًا تقدمياً.

وكما يؤخذ على اللجنة الملكية عدم الأخذ بالنقاشات الحكومية، أو على الأقل أخذها بعين الاعتبار، يؤخذ على اللجنة القانونية في مجلس النواب عدم فتح باب النقاش بشكل موسع مع كافة أعضاء مجلس النواب، وهذه ليست معلومة بل تحليل، فيلاحظ بأن العديد من مداخلات السادة أعضاء مجلس النواب اعتراض (محق في الكثير من الأحيان) حول قرارات اللجنة، أما حول موضوع نقل ملف الأحزاب السياسية من وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية إلى الهيئة المستقلة للانتخاب، فكانت أسئلة واعتراضات النواب على قرار اللجنة في مكانها، فطرحوا أسئلة مهمة ومن الواضح أنها لم تكن قد طرحت سابقًا على اللجنة القانونية، أو أنها كانت قد طرحت ولم تأخذها اللجنة بعين الاعتبار أو لم توضحها بالشكل الكافي للسادة النواب أصحاب هذه الأسئلة، بدليل إعادة طرحها في النقاش العام تحت القبة.

من الأسئلة التي لم تأخذها اللجنة بعين الاعتبار أو لم تفرد توضيحًا لها كان سؤالًا حول اسم الهيئة، فكيف تناط مهام إضافية معنية بملف الأحزاب لهيئة مستقلة تسمى الهيئة المستقلة للانتخاب ولا تنعكس تلك المهام على اسم الهيئة؟

سؤال آخر كان حول مصير وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية، فالوزارة – أي وزارة – تبقى هائمة في الفراغ ما لم تتحصل تلك الوزارة على مسؤوليات أو مهام ينص عليها في التشريعات، أي أن وزير الشؤون السياسية والبرلمانية يمارس صلاحياته التي يقسم القسم الدستوري بخصوصها وفقًا لنصوص قانونية تعطيه ممارسة تلك الصلاحيات وتحدد مسؤولياته ومهامه، وعند نقل الصلاحيات من الوزارة إلى الهيئة، لن يكون للوزارة أي صلاحية بخصوص الأحزاب، وحيث أن الأحزاب هي ما نقصده عند ذكر عبارة “الشؤون السياسية” في اسم وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية، فلن يكون للوزارة أي صلاحيات “سياسية” كون التشريعات لم تعطي الوزارة أية صلاحيات أو مهام أو مسؤوليات بهذا الشأن، وبهذا الصدد، قد لا يبقى هناك أي سند موضوعي أو شكلي لإبقاء وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية تحت مسماها الحالي فور سحب الملف “السياسي” منها، وتبقى في هذه الحالة الشؤون البرلمانية، وذلك ملف لم يفرد له في يوم وزارة، فكان وعلى مر السنوات ملفًا يحيله رئيس الوزراء إلى وزير دولة للشؤون البرلمانية أو إلى نائب رئيس الوزراء للشؤون البرلمانية، ففي هذه الحالة، ما هو مصير ملاك وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية؟

أما إذا كان التخوف فعلًا من إقصاء الأحزاب لبعضها في حال وصولها إلى رئاسة الوزراء، فما هو هذا الفارق العظيم الذي ورد من اللجنة الملكية، بحيث تكون الهيئة المستقلة للانتخاب مسؤولة بدلًا من الحكومة، فما هو المعنى الفعلي “للاستقلالية” لدى الهيئة المستقلة للانتخاب؟ فهي تكلف من قبل مجلس الوزراء بإدارة الانتخابات التي يراها مجلس الوزراء بحاجة لإدارة وليس لها رفض التكليف، وتنفق أموالها من المخصص لها في الموازنة العامة، ويطبق على ملاكها نظام الخدمة المدنية. ألم يكن من الأجدى أن تتضمن التعديلات بأن يسمي الملك بإرادة ملكية منفردة رئيس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب؟ ألم يكن التخوف من تغول الحكومة الحزبية على شؤون الدين والشؤون الحساسة الأخرى سببًا موجبًا للتعيين في بعض المناصب بإرادة ملكية منفردة، حتى يكون ذلك ضمانة لاستقلالية من يتم تعيينه؟ فوفق القانون الحالي، وفي حال وصول الأحزاب إلى رئاسة الوزراء عبر تحقيق أغلبية برلمانية، سيكون رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب من القائمين على إعداد قائمة الأسماء المقترحة المنصوص عليها في قانون الهيئة المستقلة للانتخاب لاستصدار الإرادة الملكية بتعيينهم رئيس الوزراء، وهما حزبيان طبعًا حسب افتراضنا وحسب طموحنا لشكل البرلمانات القادمة وعملها الكتلوي، ووفقًا لذلك، قد نجد أنفسنا أمام رئيس حزبي للهيئة، وستكون الكارثة هنا أننا لن نتمكن لاحقًا وفي حال حدوث ذلك من تبرير سحب صلاحياته منه كونه يترأس هيئة “مستقلة”.

في المحصلة، من المؤكد بأن الحوار لدينا مع الآخر معدوم، فلو تحاورت اللجنة الملكية مع الحكومة لما خرجت علينا بهذه التعديلات المصاغة على عجالة ودون أي دراسة للأثر، ولو تحاورت اللجنة القانونية في مجلس النواب مع زملائهم أعضاء المجلس، لما خرجت علينا بتلك القرارات التي تنطوي على سوء صياغة وضعف عام وعدم مكنة، ولما أثار العديد من النواب تلك الأسئلة التي تحرج رئيس اللجنة القانونية.

×