قراءة سياسية في تغيير قواعد الاشتباك

بارق محادين

في العلوم العسكرية، تتباين الرؤى حول الخط الناظم للعلاقة بين العسكري والسياسي. حيث تلتزم النظرية العسكرية في ضرورة تطوير قدرات الردع والدفاع والقتال بشكل مستمر، بينما تذهب النظرية السياسية إلى أبعد من ذلك إذ عليها أن تفاضل على الدوام بين واحدة من عدة سياسات، إحداها فقط تكون السياسة العسكرية. بيد أن القاسم المشترك بين النظريتين هي حقيقة أن الخيار العسكري يعد رافعة للقرار السياسي؛ بمعنى أن العسكري هو احدى الخيارات المتاحة في صندوق الأدوات السياسي وبالتالي فإن قرار اتخاذه من عدمه يستند بالضرورة إلى البُعد والقرار السياسي.

من هنا، تبرز أهمية تقديم قراءة سياسية في القرار العسكري الذي صدّر مؤخرًا عن القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي في تغيير وتحديث قواعد الاشتباك المعمول بها على الواجهة الشمالية والشرقية للملكة، وتحديدًا مع الحدود السورية. حيث وجّه رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي بهذا التغيير بغية ملاحقة كافة العناصر التي تسعى للعبث بالأمن الوطني، كما ورد في تصريح رسمي صادر عن قيادة الأركان، إثر ارتقاء الشهيد النقيب محمد ياسين خضيرات خلال تنفيذه الواجب الرسمي واشتباك قوات حرس الحدود الأردنية مع مجموعة من مهربي المخدرات الذين فرّوا داخل العمق السوري.

سياسيًا، يُقرأ هذا التغيير في قواعد الاشتباك على عدة أصعد. أبرزها صعيد التداعيات الأمنية الشائكة التي فرضتها الأزمة السورية على الأردن؛ إذ عززت هذه الأزمة من حضور الميليشيات الإيرانية وتلك التابعة لحزب الله اللبناني في الجوار الأردني ودفعت بخطوط المواجهة معها إلى مسافة اقتربت من صفر الحدود الأردنية تزامنًا مع اتساع رقعة العمليات العسكرية ونفوذ هذه الميليشيات في الداخل السوري.  

وكنتيجة مباشرة لتزايد موطئ القدم الإيرانية عبر ميليشيات موالية لإيران فرضت سيطرتها على الجنوب السوري، لم يُخفى على أحد سعي عمّان إلى الحصول على دعم روسيا لكبح جماح التقدم الإيراني نحو الأردن ولعبت المملكة دورًا سياسيًا هامًا في دعم اتفاق الجنوب السوري الذي افضى بالمحصلة إلى تسليم جميع نقاط المراقبة على طول الحدود السورية الأردنية لتكون تحت سيطرة الحكومة السورية.

بيد أن حالة المد والجزر التي التصقت باتفاق الجنوب السوري أفضت حكمًا إلى استمرار نشاط الميليشيات الإيرانية بالقرب من الحدود الأردنية ومحاولتها التوسع بأنشطتها في الداخل الأردني. وقد رَشحَ عن الأردن الرسمي عدة إشارات مهمة بهذا الصدد؛ بدءا من مقابلة جلالة الملك الأخيرة مع الإعلامي فريد زكريا من شبكة سي أن أن وحديثه العلني عن تعرض الأردن لهجوم بطائرة مسيرة تحمل بصمات إيرانية وتأكيده في ذات المقابلة على ازدياد هذا النوع من الهجمات في العامين الماضيين. كذلك، فقد ورد حديثًا على لسان وزير الخارجية الأردنية في ندوة عبر الإنترنت نظمّها مركز معهد بروكينغز لسياسات الشرق الأوسط تأكيدات أردنية مجددة حول حاجة إيران إلى وقف سياساتها التدخلية في المنطقة.

علاوةً، فإن تغيير قواعد الاشتباك يراد منه بالضرورة إرسال رسالة سياسية للتنظيمات الإرهابية والأنظمة السياسية الداعمة لها بعد أن اتضح مؤخرًا أن جائحة كوفيد-١٩ والتداعيات المصاحبة لها لم تثني هذه الجماعات عن مواصلة إعادة بناء وإنتاج أنشطتها الإرهابية في الداخل السوري والجوار الأردني. وهو الأمر الذي لم يغب عن رادار الأجهزة الأمنية والعسكرية الأمنية خلال الجائحة. ويعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية من جديد بعد هجوم سجن غويران في مدينة الحسكة السورية، والذي صُنِّف كأكبر هجوم عسكري تنفذه “داعش” بعد سقوط خلافتها المزعومة في العام ٢٠١٩، إلّا مؤشرًا مضافًا على استمرار التهديد الأمني المرتبط بالإرهاب وقدرته على إعادة تعبئة موارده وتشكيله لتحدٍ أمني استراتيجي على الأردن.

كذلك الأمر، فإن التفريخات التي حدثت داخل مشهد الإرهاب الإقليمي، وعلى رأسها صعود تنظيم حراس الدين في سوريا الذي وُصِف بتنظيم “شبه أردني” نظرًا لنفوذ وحضور وعدد القيادات الأردنية فيه، يكشف الستار عن تحولات تكتيكية وايديولوجية من شأنها القاء ظلال ثقيلة على المشهد الأمني الأردني. ومع إدراك أن هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإرهابية الناشئة قد استفاء بظلال الخراب الذي نمى في إدلب البعيدة جغرافيًا عن الحد الأردني، إلّا أنه بمثابة كرة ثلج من المحتمل تدحرجها بشكل متسارع نحو الجنوب السوري القريب من الحدود الأردنية إذ ثبت بالتجربة قدرة هذه التنظيمات على الانتقال السلس بين الخطوط المحلية إلى الإقليمية فالوطنية.

إضافة إلى ما سبق، فإن إشارة السلطات الأردنية إلى الازدياد الكبير في محاولات تهريب المخدرات من سوريا عبر الأردن بهدف وصولها إلى منطقة الخليج يضيف بعدًا سياسيًا أخرًا لتغيير قواعد الاشتباك المعمول بها يتعلق بدور الأردن في حماية أمن الخليج العربي. إذ لا يقتصر الجهد العسكري والأمني الأردني في حماية الحدود الشرقية والشمالية للمملكة على تحصين البيت الداخلي الأردني من آفة كالمخدرات فقط، بل يمتد لأبعد من ذلك عبر تشكيله ضمنًا لمنطقة عازلة تفصل بين حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي القائم والقادم من سوريا وأجزاء من العراق وبين الخليج العربي المستقر أمنيًا وسياسيًا. عليه، يُقرأ في تغيير قواعد الاشتباك الالتزام والارتقاء الأردني بهذا الدور الإقليمي الهام لضمان استقرار المنطقة، فتحديات التهريب والإرهاب والتوسع في العمل الميليشيوي هي ليست تحديات أردنية بشكل صرف، بل تحمل بعدًا إقليميًا شديد الوضوح.

إقليميًا كذلك، فإن تغيير قواعد الاشتباك لحماية الأمن الأردني ترتبط بمشاريع التعاون الإقليمية القادمة، وتحديدًا مع العراق ومصر. ذلك أن إعادة تشكيل أواصر التعاون والعمل المشترك تعتبر تدشينًا لمرحلة جديدة يراد منها تحدي حالة عدم الاستقرار الإقليمي المتمثلة بالحرب في سوريا والمعركة المستمرة ضد تنظيم الدولة وشاكلاته والمخاوف العربية من توسّع النفوذ الإيراني، وجميعها تستوجب فرض الاستقرار والحزم أمام محاولات العبث به. هنا، لا شطط في قول أن ازدياد هذه التهديدات والأنشطة المريبة المرتبطة بها قد تزامن ايضًا مع تدشين هذه المرحلة من التعاون والعمل المشترك، وبالتالي فإن القرار العسكري المتمثل بتغيير قواعد الاشتباك والضرب بيد من حديد ما هو إلّا ترجمة لقرار ورغبة سياسية أردنية في إنجاح مشروع العمل والتعاون الإقليمي المشترك.

وبعيدًا عن الخوض بتفاصيل قواعد الاشتباك وما تغيّر منها، ذلك إنه شأن عسكري لا يفصح عنه ويحتكم لضرورات وضوابط المؤسسة العسكرية، إلّا أن البعد السياسي الذي يمكن استشرافه في هذا الصدد هو أن الرسائل التي حملها هذا القرار العسكري هي ايضًا رسائل سياسية بامتياز. تم توجيهها لأطراف ودول تتعدى جماعات تهريب المخدرات بعينها، وهي قطعًا ليست بردة فعلٍ لحظية على حادثة اشتباك منفردة بقدر ما هي تطبيق لسيناريو مدروس تم العمل على تصميمه ومحاكاته والاحاطة بكافة جوانبه وتداعياته عبر فترة من الزمن. جزئيًا، اقترن تغيير قواعد الاشتباك بزيادة الحضور والنشاط الإيراني قرب الحد الأردني، وبجزئية أخرى مرتبطة بالفراغ الأمني الذي خلفّته الأزمة على الجنوب السوري، فضلًا عن تجسيده لارتقاء بالدور الأردني في حفظ معادلة الأمن الإقليمي المرتبطة عضويًا بالأمن الاستراتيجي الأردني.





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق