الاردن بحاجة الى ثورة بيضاء وهذه ابرز مشكلاته المزمنة

الدكتور عبدالمهدي القطامين

الرسالة التي وجهها الملك عبدالله الثاني الى الشعب الأردني بمناسبة عيد ميلاده الستين حملت الكثير من المضامين والتشخيصات الدقيقة لما هو عليه الوضع في الأردن وهي رسالة تتلمس مكامن الوجع وتحدد مخاطر غياب الثقة السائد بين الناس وحكوماتهم بسبب غياب الشفافية والمساءلة والحوار الصريح البعيد عن التورية التي لم تعد تفيد شيئا في ظل تزاحم الوان المعرفة وانتشارها بفعل وسائل التواصل الاجتماعي  التي تقدم الحقيقة ولكنها في اغلب الآحيان مخلوطة بالمبالغات والتشويهات المقصودة وغير المقصودة أيضا.

وغير بخاف على احد ان الثقة بين الناس والحكومات في العقدين الأخيرين شابها الكثير من الوهن وعدم الثقة وعدم التيقن في الكثير من الأحيان وأسباب ذلك بالتأكيد هي مشتركة بين الناس وبين الحكومات فالناس يتناقلون الاشاعات كثيرا عبر وسائل الاعلام الجديدة والحكومات تقف متفرجة على ما يجري غير مبالية ولا تكلف نفسها عناء التوضيح والمحاورة وتقديم الدلائل التي ربما اقنعت الجموع الغاضبة على امر ما ورافق ذلك ضعف عام في أداء الحكومات وترهل في مؤسسات الدولة.

وحين يؤكد الملك اشتعال محيط المملكة بأزمات ألقت بظلالها الأردن، واستقبال مئات الألوف من اللاجئين،وتراجع الدعم الخارجي، وتباطؤ المسيرة التنموية التي عانت أيضا من ضعف في العمل المؤسسي، وتلكؤ في تنفيذ البرامج والخطط، وتمترس بيروقراطي، وانغلاق في وجه التغيير، وتغول للإشاعة، وتغييب للحوار العقلاني الموضوعي إضافة إلى ما خلفته أزمة كورونا من أعباء اقتصادية واجتماعية فأنه يضع النقاط على الحروف بعيدا عن التحدث بالعموميات وهو بذلك يشير الى مكامن الخلل مكامن خلل داخلية سببها الحكومات والمؤسسات التي عجزت عن إيجاد فارق تنموي في بلد باتت تنهشه الأوضاع الاقتصادية وظلت تلك المؤسسات تعمل بذات الرتم البيروقراطي البعيد عن الابداع والتفكير العقلاني للخروج بالبلاد من ازماتها الاقتصادية واللجوء في اغلب الأحيان الى جيب المواطن الذي اثقلته الضرائب وتلاشي الطبقة الوسطى التي هي صمام امان أي مجتمع كل ذلك يتم ويخرج بعض المسؤولين ليؤكدوا ان الأمور سمن على عسل وان المسيرة مستمرة في حين يؤكد الملك ان المسيرة تباطأت ويؤكد الناس ان المسيرة توقفت او كادت.

في الأردن مشكلتان تؤرقان الدولة وتؤرقان المواطن ويبدو انهما لا تشكلان أي ارق للفئة التي تحكم واقصد الحكومات ،  المشكلة الاقتصادية والتي بدت بوضوح في العقد الأخير جراء العوامل التي أشار اليها الملك في رسالته وجراء تقاعس صناع القرار الاقتصادي في وضع حد للعديد من المسببات المؤرقة ومنها على سبيل المثال لا الحصر التهرب الضريبي الذي تبلغ كلفته على الدولة سنويا ما يزيد على مليار دينار ومظاهر الترف الاستهلاكي المرادف للفئة التي تحكم وانتشار الفساد والاعتداء على المال العام دون وجود رادع قوي يحد من هذا النزف المتواصل ومزاوجة تحدث في الكثير من الأحيان بين صناع القرار والاثراء غير المشروع.

اما المشكلة الثاني التي تؤرق الأردن فهي مشكلة سياسية فحين تعتمد الحكومات على بعض الشخصيات لتدورها بين موقع واخر في جسد الدولة ومؤسساته فأنها تقتل روح الابداع ولا تسمح للدماء الجديدة بالوصول الى صنع القرار وهذا التدوير اثبت عدم جدواه والدليل على ان المسيرة تباطأت او لا تسر ولا تسير في ظل بقاء ذات الوجوه تنتقل من مركز صنع قرار الى مركز اخر دون أي ملامح تجديد او تطوير او ابداع يوجه مؤسسات الدولة نحو خلق واقع جديد ثم ان غياب التمثيل الحقيقي للناس في مجالس النواب المنتخبة بفعل الكثير من عوامل التأثير المباشر او غير المباشر في تحديد مواصفات من يصل الى مجلس النواب خلق حالة من عدم الرضى عن دور البرلمان في رسم القوانين الناظمة الفاصلة بين السلطات إضافة الى احتكار العمل السياسي الرسمي من قبل فئة لو امتلكت الجرأة السياسية والعمل السياسي الذي يقدم مصلحة الوطن على كل شيء لما آلت الأمور الى ما هي عليه الان.

لقد دعوت عبر هذه الصحيفة قبل أسابيع الى ان يقوم الملك بثورة بيضاء على الواقع الأردني الراكد وها هو الملك يفعلها اليوم ويشخص وينتقد ويدعو الى التصحيح واظن ان رسالة الملك واضحة لكل من يقرأ وعلى الحكومات ان تعي ان عصر التسويف قد مضى وان عهد البناء هو الملجأ الوحيد الذي نقصده اذا اردنا ان ننفذ رسالة الملك التي جاءت بوقتها لتحدد وجه الأردن الذي نريده في القرن الجديد فهذه البلاد بل هذا الوطن يستحق ان يبقى وطنا متميزا يبني ولا يهدم ويقود ولا يقاد ويستقبل ولا يهجر.






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق