الوجاهة اولا

ماهر أبو طير

لدينا عشق كبير للالقاب في الأردن، إذ حتى المترشح الذي لم ينجح في الانتخابات النيابية، يعرفك على نفسه أنه مترشح سابق للبرلمان، فالمهم هو اللقب والتعريف، حتى لو كان في سياق فشل.

الاستثمار في الوجاهة في المجتمعات الشرقية، بما فيها الأردن، استثمار خطير، يؤدي إلى تعظيم نزعة الانا في كل إنسان، فالكل يريد أن يصبح ذاك البيك، سواء في برلمان أو وزارة، أو بلدية، أو مجلس محافظة، أو زعيم في عائلته، مرورا بكل المواقع الإدارية الحكومية، ولا تعرف لماذا تجذرت هذه العقدة لدينا، أي عقدة البيك، بدلا مما هو أهم، أي تركيز المرء على نفسه أكاديميا، أو مهنيا، أو حتى عبر عمله في دكان صغير، يشتري به راحة رأسه، ولا يتدخل به أحد.

مناسبة هذا الكلام، عشرات آلاف الصور المعلقة على أعمدة الكهرباء في الأردن، بمناسبة الانتخابات البلدية، ومجالس المحافظات، وكأن المصور شخص واحد، إذ يبدو وكأن كل اللقطات مأخوذة بذات الطريقة، أي الوجه المتجمد، مع ابتسامة صفراء، وعبوس، وربما خلفية مفبركة على شكل مكتبة، أو لون بهيج، مع وقوف في حالة استنفار، وكأن المترشح يستعد لمعركة لم تبدأ بعد.

الانتخابات في الأردن بكل أنواعها، نيابية، نقابية، بلدية، وغيرها، أدت إلى تشظية المجتمع، إذ مثلا في انتخابات البرلمان أو البلديات، يحدث أحيانا أن يترشح عدة أشخاص من نفس العائلة، على ذات المقعد، فتدب بين أفراد العائلة الكراهية، والخصام، ويخرج الجميع من كل انتخابات، وقد تلقى كل واحد ألف شظية لا ينساها هو وذريته، وليس غريبا أن تجد الانقسام بات سائدا في كل مكان، على خلفية الانتخابات، فوق خروج أغلب المترشحين بديون، وهي ديون تستحق ان نسميها ديون الوجاهة، فهذا يتخيل نفسه نائبا، فيستدين، ويقول انه سيعوضها بطريقته الفهلوية بعد الوصول، لكنه يسقط سقوطا مروعا، وذاك يريد رئاسة البلدية، وعينه على بكب الرئاسة ليقوده، وما من انتخابات الا وتركت خلفها آثارا اقلها تهشيم الكثير من التوافقات الاجتماعية.

حيثما وليت وجهك في الأردن، تحاصرك آلاف الصور، لا تعرف من هم، ولا تحفظ الأسماء، وتلمح احيانا المجاكرات العائلية، فيتم تعليق صورة مترشح من عائلة، فيأتي بقية المتنافسين من العائلة ذاتها ويعلقون صورهم طوليا فوق الصورة الأولى، والمشهد مريع ويعبر عن انقسام اجتماعي، فتسأل نفسك هل كل هؤلاء حقا، خبراء في أعمال البلديات، مثلما كنا نسأل عن صور مترشحي البرلمان، فينساهم الكل، ولا يتذكرون حتى الفائز منهم، فقد اختلط الحابل بالنابل.

الخدمة العامة في الأردن، تخضع لمعايير الوجاهة الاجتماعية، أكثر من خضوعها لمعيار القدرة والكفاءة، والأدهى والأمر أننا في غالبيتنا خبراء في الطقس وحرب أوكرانيا وروسيا، وفي دوران المريخ، وأسعار النفط، وسعر الكهرباء، وغير ذلك، وإذا كان البعض يثرثر في كل شيء بثقة العارفين، فمن الطبيعي ان يظن المرء نفسه مؤهلا لأي موقع، فالمهم هو الوصول، ويفرجها رب العالمين لاحقا.

هذه العقدة تراها أيضا عند بعض الأكاديميين، حصرا، بعيدا عن الانتخابات، إذ أن كثرة منهم، تظن أن العدالة توجب توزيرهم، هذا على الرغم من أن مهمة الأكاديمي، أهم من الوزارة، ولو بحثت عن الأكاديميين الغربيين لما قبلوا أن يصبحوا وزراء، ويركزون فقط على عشقهم الأزلي، ان جاز التعبير، أي التطور الأكاديمي، والكتابة والتأليف، وكتابة نظريات، وتخريج طلبة محترفين.

هذه القصة ليست جديدة، إذ لها جذور تاريخية، حيث يقول ابن خلدون في مقدمته " العرب متنافسون في الرئاسة وقل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره". وهكذا يقرأ ابن خلدون خصائص المجتمعات مبكرا، وبرغم كل التغيرات ووصولنا إلى هذا الزمن، الا أن حب الزعامة، أو الرياسة، أو الوجاهة، متأصل فينا بشكل كبير.

الذي يريد مكانة عامة، عليه أن يستغفر ربه، ويفر منها، فهي مسؤولية، لا يصح ان يتسابق المرء نحو اثقالها واحمالها وذنوبها، خصوصا، في هذا الزمن، الذي نتهم فيه حتى الأقدر والأطهر، فما بالنا بمن يستيقظ صباحا، ويقرر انه وحده المؤهل لرئاسة البلدية، أو عضوية البرلمان، فقد ولد من أجل أن يكون البيك في الحي، أو الحارة، أو المدينة، أو العائلة، وهو لا يعرف في الأصل شيئا.

 

الغد





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق