الثالوث المستقبلي والنظام الدولي

وليد عبد الحي

إذا اتفقنا على ان قاعدة التغير هي مركز التفكير في الدراسات المستقبلية ، فان هذه القاعدة معنية باشكالية قياس التغير ، وسرعة التغير في ايقاعه، وانتشار التغير من ميدان مقصود الى تكييفه لتوظيفه في ميدان آخر، وتحديد معامل الارتباط بينه وبين انماط التكيف الاخرى.

وإذا كانت بعض مظاهر التغير قابلة للقياس فان بعضا منها يستعصي نسبيا والبعض الآخر يستعصي جزئيا على القياس، وبعض التغير مدرك نتلمسه بالحواس الخمس بينما بعضه لا ندركه رغم ان تماهيه في الواقع قد يصل الى حد التغير الكلي فنسميه مفاجأة.

وفي معايشتي للدراسات المستقبلية خلال عقود اربعة، اجد ان التغير التكنولوجي بالمعنى الواسع للتكنولوجيا هو المحرك(Driver)،يليه التغير الاقتصادي ، ثم التغير الاجتماعي(من سياسي وثقافي وقيمي وفني..الخ)، لكن ما يجب ملاحظته هو ان التغير التكنولوجي يقود الى التغير في الميدانين الآخرين، لكنهما بدورهما يعودان بالتأثير على التغير التكنولوجي نفسه من خلال تفكيك المنظومات المعرفية التي افرزت التكنولوجيا الاولى لخلق منظومات معرفية(معلومات ومناهج تفكير وقيم معرفية )جديدة تساهم في وضع نطفة التغير التكنولوجي القادم في رحم الوجود ، وتزداد الامور تعقيدا بتعاضد الاقانيم الثلاثة في التغير.

ولضبط منهج التحليل مال علماء الدراسات المستقبلية الى نظرية الموجات(Waves)، فقد لاحظوا مسائل تؤثر على دقة التنبؤ:

أ‌- كلما كانت فترة القياس اقصر كانت احتمالات الدقة أقل(خلافا للشائع في الدراسات المستقبلية التقليدية)،( مثل التنبؤ بالانجاب للمرأة التي تزوجت حالا، فقد تكون عقيما او الزوج عقيم او كلاهما، فاذا انتظرنا لعام او لعامين كان احتمال الدقة في التنبؤ بالإنجاب من عدمه اقوى نسبيا.، ومن هنا نشأت فكرة الموجات لكن الخلاف اصبح حول هل هي موجات دائرية( long wave cycle) على غرار موجات كوندراتييف، ام انها عشوائية او انها خطية او غير خطية(Linear –Non-linear)، وطول الفترة يساعد على رصد العوامل المتصلة(التي تفعل فعلها طيلة الفترة) والعوامل العابرة(Transient) التي لا تشكل تحولا في طبيعة الظاهرة موضوع الدراسة.

ب‌- يرد خصوم المنهج الجديد ان طول المدة يفتح المجال لمزيد من “العوارض الطارئة” التي يصعب تقدير اوزانها ونمطية تاثيرها وهو ما يجعل التنبؤ مرتبكا.

ت‌- يعود انصار المنهج “الموجي” للقول بان التاريخ يقدم مختبرا للقياس على الظواهر قصيرة المدى وعلى الموجات، فاذا تطابقت نماذج التاريخ بقدر معقول مع التنبؤ قصير المدى والموجات كانت نسبة صحة التنبؤ عالية جدا ..وإذا تضارب النموذج التاريخي مع كليهما فالاولى بالتنبؤ غير التاريخي واعطاء الاولوية للموجات.

لكن الدراسات المستقبلية اصبحت تولي موضوع وزن المتغير(magnitude) والتي يتم تحديده استنادا لمصفوفة التأثير المتبادل بعد تحديد معامل الارتباط بين المتغير وبقية المتغيرات لتحديد الاكثر تأثيرا والاكثر تأثرا، ورغم بعض الثغرات في هذا المنهج فانه على ما يبدو هو الاكثر مصداقية بين النماذج الاخرى، وعند تطبيقي له في دراستي عن ايران ودراستي عن الصين ودراستي عن النزعة الانفصالية للاقليات كانت المصداقية عالية تماما الى الحد الذي تفاجات به بعد مرور السنين على هذه الدراسات، لكن عند تطبيقي له على اسرائيل كانت النتيجة جيدة ولكن اقل من الدراستين السابقتين بشكل واضح ، بل ان ترتيب المتغيرات الاكثر تاثيرا وتاثرا كانت مخيبة للآمال، فرغم ان الترتيب من حيث الأهمية كان ممتازا إلا ان الفروق في الاوزان كانت كبيرة قياسا لما استنتجته في النموذج.

وتنشغل الدراسات المستقبلية حاليا بتداعيات عدد من المؤشرات الايجابية وعدد آخر من المؤشرات السلبية(كموجات او اتجاهات اعظم لا حوادث عابرة) ، وتحاول بناء مصفوفة للتفاعل بين البعدين:

اولا: مؤشرات ايجابية عالمية:

1- تراجع الامية- 2- تزايد معدل العمر- 3- تزايد مصادر الحصول على الماء4-تراجع عدد الحروب بين الدول(لا داخل الدول) 5-اتساع انتشار الانترنت6-تزايد عدد النساء في السلطتين التشريعية والتنفيذية 7-ضبط الزيادة السكانية( في اجمالي العالم)8-الحد من انتشار الاسلحة النووية..

ثانيا: مؤشرات سلبية عالمية:

1- تزايد حجم نسبة الديون على دول العالم قياسا لنسبتها في اجمالي الناتج المحلي2- اتساع قاعدة البطالة-3-تزايد الفروق الطبقية 4-استمرار التلوث البيئي-4-تناقص نسبة المشاركة في الانتخابات 5- اتساع دائرة العنف السياسي والاجتماعي 6- اتساع انماط الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي 7- استمرار تذبذب الموجات الديمقراطية 8- اتساع قاعدة المهاجرين والنازحين-9- التطور التقني العسكري لدى التنظيمات السياسية المسلحة

ثالثا: ظواهر شبة راكدة عالميا(أي ان حجم التغير فيها ضعيف للغاية) :

1- مستوى الانفاق على البحث العلمي 2- المساحات الغابية قياسا لغير الغابية-3- نسبة الاطباء لعدد السكان- 4- استمرار وتيرة الاعتماد المتبادل استنادا لحجم الصادرات والواردات والتحويلات المالية والترابط التقني بين الدول فيما بينها وبين الشركات متعددة الجنسية الى الحد الذي اصبح فيه امرا غاية في التعقيد تحديد حساب الدخل القومي.

ان الانشغال بالعلاقات الروسية الامريكية الصينية (اضافة الى اليابان والاتحاد الاوروبي) يجب ان يفهم في اطار تفاعلات المؤشرات السابقة كلها ، فهي عوامل كامنة تلعب دورا كبيرا في ادارة التنافس وخلق فرص الصراع، وهو امر يغيب عن الكثير من الدراسات، فالتنبؤ بطبيعة النظام الدولي القادم يحتاج الى رصد كل ما سبق.





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق