الطاقة تتلاعب بالسياسة الدولية

د. محمد المومني

ربما المتغير الأكثر تأثيرا وحضورا في تفسير وفهم كل ما يجري على صعيد العلاقات بين الدول هو الطاقة وإمداداتها وأسواقها وعرضها وطلبها. لقد أصبحت الطاقة سلاحا تستخدمه الدول في نزاعاتها لتركيع خصومها والفوز بالمغنم المادي الأكبر.

العديد من، بل جل، الأحداث المهمة في العلاقات الدولية تتمحور حول هذا الشأن وتفاعلاته، منها؛ ترسيم الحدود بين العدوتين لبنان وإسرائيل لأسباب الغاز والنفط شرق المتوسط، السماح لفنزويلا وإيران تصدير بعض النفط رغم أنهما تخضعان لنظام عقوبات دولي وأميركي، نقاش تزويد لبنان بالغاز والكهرباء من مصر والأردن عبر سورية، زيارة الرئيس الصيني للسعودية لفتح آفاق تعاون جديدة محاورها الأساس إمدادات الطاقة، اتفاق الطاقة مقابل الماء الأردني الإماراتي الإسرائيلي الذي يهدف لإعطاء الأردن ماء وإسرائيل الطاقة النظيفة بتمويل ومرابحة إماراتية، وهدف المشروع خلق حالة من الاعتماد المتبادل، اتفاق ألمانيا مع قطر من أجل إمدادات الغاز بعد تعثر إمدادات الغاز الروسي بسبب العقوبات والحرب في أوكرانيا، تغزل رئيس وزراء بريطانيا بقطر وبطولة كأس العالم فيها في توطئة لاتفاقات غاز مقبلة، نجاح سياسة السقوف السعرية ضد النفط الروسي الذي أدى لتقليل الطلب عليه، وبالتالي انخفاض سعره، فعوائده المالية لروسيا… الخ.

هذه بعض من التفاعلات الدولية المرئية التي تتمحور جميعها حول الطاقة بغازها ونفطها. ويضاف الى كل ما هو أعلاه، كيف تستخدم روسيا الطاقة وإمداداتها كسلاح في حربها في أوكرانيا، مستغلة الشتاء القارس والحاجة الماسة للطاقة من قبل أوروبا وأوكرانيا. هي أيضا وضعت على خريطة أهدافها العسكرية محطات الطاقة وتوليد الكهرباء في أوكرانيا، في منحنى بشع اتخذته الحرب الدائرة، تستهدف الأمن الإنساني للبشر، وهو ما يتم تجنبه عادة إلا في آخر المراحل وأسوئها، فيما يعرف بالحرق الكامل من أجل الانتصار بالحرب.

الحرب في أوكرانيا في أوضح تجلياتها حرب طاقة، وليس أسلحة وتدمير معدات وجيوش، بل قطع الكهرباء ووقود التدفئة عمن يحتاجونه.

تزداد أهمية وتأثير الدول المنتجة للطاقة في ضوء الأوضاع الدولية الحالية، وبعضها أظهر براعة في توظيف واستخدام التأثير المتنامي للطاقة.

انظروا لعلاقة السعودية والإمارات مع أميركا لتدركوا كيف أن الطاقة صبغت هذه العلاقة بشكل ملموس وواضح.

الطاقة ستبقى ذات تأثير اقتصادي وسياسي كبير، وذلك تذكير لكل جهود ودعاة الطاقة النظيفة والمتجددة المحترمين أن العالم ما يزال مدمنا على النفط والغاز، وأن ذلك سيبقى لفترة من الزمن، وإلى حين الإتيان ببدائل تشبع عطش العالم للطاقة، فإن النفط والغاز سيبقى لهما تأثير متناهي النفوذ.

سيكثف العالم استثماراته ويطور التكنولوجيا الخاصة ببدائل الطاقة، وسيكون لدينا مزيد من أساليب وطرق التوفير للطاقة، وهذا جيد سيقلل بلا شك الاعتمادية الكبيرة على الطاقة التقليدية كما هو الحال الآن، ولكن الى حين حدوث ذلك ضمن نتائج ذات جدوى، وإلى حين أن ننتج بدائل طاقة ذات كفاية عالية، سنبقى نتابع تلاعب الطاقة بسياسات الدول.

 

 

الغد





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق