هل فاجأنا اضراب الشاحنات ؟

حسين الرّواشدة

ل كان اضراب الشاحنات مفاجئا؟ لا أعتقد ذلك، قبل أن تنطلق” الشرارة “من العقبة ،كان أحد النواب يهدد بأن “القيامة ستقوم غدا “، وحين اشرقت شمس الغد صباحا ، صبّ عدد كبير من النواب ،لأول مرة في تاريخ المجلس ، جام غضبهم على الحكومة ، لا أدري إذا كان رئيس المجلس على علم باحتشاد النواب ام أنه تفاجأ بما جرى ؟ المهم أن السيناريو النيابي تزامن ،تماما، مع بدء انطلاق الإضراب ،ونفخ فيه أيضا، مما دفع رئيس الحكومة للرد بقسوة ، ثم الانسحاب من الجلسة .

لا يسمح لي المجال -بصراحة – للاستطراد بالتحليل ، اكتفى بتسجيل ملاحظة ، ثم قصة حقيقية ، الملاحظة هي أننا نخطئ في التشخيص ، وفي تقديم وصفات المعالجة ، إذا تصورنا أن الأزمة التي نواجهها أزمة اضراب شاحنات ووسائل نقل ، أو حتى أزمة ارتفاع أسعار محروقات ، الأزمة أعمق وأخطر من ذلك ، ليس ،فقط ،لأنها خرجت ، أو تم إخراجها من مسرب اصحاب الشاحنات ، باعتبارهم النقطة الاضعف والاكثر تأثرا ، وإنما لأن لنا تجربة تشبهها ،تماما، جرت قبل أكثر من 30 عاما ، نستذكر تفاصيلها ، وقد تجاوزناها بصعوبة .

أما القصة فتقول : دخلت احدى الشاحنات الكبيرة تحت احد الانفاق، وكان ارتفاع سقفها أعلى بقليل من ارتفاع الجسر، لكن السائق غامر وحاول ان يمرّ، ليكتشف بأن شاحنته علقت بين الطريق والجسر ، فتوقفت، استنجد بالشرطة فجاءت، وحاول الجميع جرَّ الشاحنة ، لكنهم أدركوا ان النتيجة ستكون تحطيم الجزء الاعلى من الشاحنة فتريثوا، وتداولوا الحلول الممكنة.

فجأة توقفت احدى السيارات ونزل منها رجل ومعه طفله الصغير، سأل الطفل والده: لماذا عجز هؤلاء الرجال عن سحب الشاحنة من تحت الجسر؟ شرح الرجل لابنه مخاطر ذلك، وحاول ان يقنعه بأن المسألة صعبة، نظرا لما يترتب على السحب من اضرار، قال الطفل: اعتقد ان القضية ليست صعبة يا أبي كما تتصور انت وهؤلاء الرجال، اندهش الرجل مما قاله الطفل، وسأله: هل لديك حل؟ قال: نعم، يمكن ان نقوم بتنفيس عجلات الشاحنة فقط، وبهذا يسهل سحبها من تحت الجسر دون ان تلحق اية اضرار بالجزء العلوي منها.

فرح الرجل بذكاء طفله، وأخبر رجال الانقاذ بالفكرة العبقرية التي انتهى اليها، وفعلا اخذوا بالنصيحة وقاموا بتنفيس العجلات وسحب الشاحنة بسلام، لكن القصة ظلت تشغل الرجل، وتتفاعل في داخله لأيام طويلة، سأل نفسه: لماذا غامر السائق بالدخول في هذا الممر الضيق وهو يعرف تماما ان ارتفاع سيارته اعلى من ارتفاع الجسر المعلّق؟ لماذا لم يلتزم بالشاخصة الكبيرة التي كُتب عليها الارتفاع المسموح لمرور السيارات الكبيرة؟

سأل نفسه ايضا: لماذا غاب عن مهندس تصميم الجسر امكانية مرور شاحنات عالية، وبالتالي رفع سقف الجسر بما يكفي لمرورها بسلامة، ولماذا لم ينتبه الكبار من المنقذين والمتفرجين لفكرة التنفيس هذه التي خطرت الى ذهن طفله الصغير؟ سأل نفسه ايضا: ما الذي يمنع من ان تتكرر الحادثة مع سيارات اخرى، واذا حدث ذلك، من يضمن ان يكون تنفيس العجلات دائما هو الحل؟

تفرغ الرجل شهرا كاملا للبحث عن اجابات لهذه الاسئلة، وبعد طول استقصاء تبين له ان سائق الشاحنة كان يعمل مهندسا في البلدية، وكان احد الذين قاموا بتصميم الجسر، وتبين له ايضا ان ابنه سرق فكرة التنفيس من فيلم كان شاهده قبل ايام، وان بعض رجال الانقاذ لم تغب عنهم الفكرة لكنهم ارادوا ان يعاقبوا السائق على فعلته بجر سيارته والحاق الضرر بها، وان ما قدمه الطفل من نصيحة قد دفعهم مكرهين الى فعل عكس ما ارادوه.

هنا، اشرق الصباح ، وانتهى الكلام المباح، لكن ظل سؤال واحد عالقا في ذهن الرجل وهو : من يضمن أن يكون تنفيس العجلات دائما هو الحل؟





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق