الاستقرار النقدي.. لا تنازل

سلامة الدرعاوي

آمال كبيرة في إبطاء وتيرة رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية العالمية في اجتماعاتها الأخيرة لهذا العام، بعد قيامها بموجات رفع متتالية لأسعار الفائدة خلال العام الحالي لاحتواء الضغوط التضخمية غير الاعتيادية، والسيطرة على أسعار السلع والخدمات ضمن مستويات مقبولة.

فمن المقرر أن يجتمع الاحتياطي الفيدرالي، والبنك المركزي الأوروبي وبنك انجلترا الاسبوع الحالي وستصدر قرارات حول رفع أسعار الفائدة من جديد والتي ستكون المحرك الرئيسي النهائي للسوق هذا العام، مع توقعات باتت شبه مؤكدة أن يخفف الفيدرالي وتيرته في رفع أسعار الفائدة، ويقوم برفع أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس فقط، بدلًا من 75 نقطة أساس التي رفع بها في اجتماعاته الأربعة السابقة.

تأتي هذه التوقعات بعد أن أظهرت بيانات التضخم في الولايات المتحدة لشهر تشرين الأول تباطؤًا للشهر الرابع على التوالي لتسجل 7.7 %، وهو أدنى مستوى منذ بداية العام، والذي يعود في جانب منه إلى قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة لست مرات متتالية خلال هذا العام. ومع ذلك، لا تزال الأرقام تشير إلى ضغوط تضخمية قوية، وزيادة كبيرة في الأسعار، والسيطرة على التضخم سيتطلب إبقاء السياسة النقدية في مستوى تقييدي لفترة ما. وتشير التوقعات الى أن الاحتياطي الفيدرالي قد يتوقف عن رفع أسعار الفائدة في النصف الأول من العام القادم، وأن أسعار الفائدة ستبقى على الأرجح عند مستوى مرتفع لبعض الوقت.

إن تلك الوتيرة المنخفضة في تشديد السياسات النقدية العالمية ستمنح البنك المركزي الأردني مساحة مريحة لإبطاء وتيرته في رفع أسعار الفائدة أيضاً، يساعده في ذلك معدلات تضخم مقبولة، والتي شهدت أيضاً انخفاضا، وللشهر الثاني على التوالي، لتسجل 5.0 % على أساس سنوي في شهر تشرين الثاني 2022، بالمقارنة مع 5.2 % في الشهر الذي سبقه.

لم يعد يخفى على أحد أن المهمة الأساسية والهدف الرئيس للبنك المركزي الأردني هي المحافظة على الاستقرار النقدي في المملكة، واستقرار المستوى العام للأسعار، وزيادة جاذبية وتنافسية الدينار الأردني، وتوفير هيكل أسعار فائدة محلية تنسجم مع أسعار الفائدة العالمية والإقليمية وقادرة على احتواء أثر الضغوط التضخمية الداخلية والخارجية.

وما بين الحاضر المملوء بالتحديات، وتطلعات المستقبل بتحقيق ازدهار اقتصادي، فإنه لا سبيل إلى استقرار ونمو اقتصادي في المملكة من غير الاستقرار النقدي. فالناظر إلى الاقتصادات التي تعاني اليوم، يجد أنها ضحت بالاستقرار النقدي ظناً منها أنه السبيل إلى تحقيق النمو الاقتصادي، فوقعت بالفخ.

وسواءً اتفقنا أم اختلفنا في تقييمنا لقرارات المركزي الأردني النقدية، إلا أن ما نتلمسه في الواقع هو أوضاع نقدية في المملكة مستقرة ومطمئنة، مما يؤشر على حصافة السياسة النقدية التي يتبعها البنك المركزي.

لطالما أكد، وما يزال، محافظ البنك المركزي الأردني في كثير من لقاءاته أن إدارة السياسة النقدية تحكمها التطورات الاقتصادية والنقدية المحلية والإقليمية والعالمية، لذا شهدنا خلال الفترة الماضية حالة من التشدد النقدي تمثلت في رفع متتالٍ لأسعار الفائدة المحلية، لاعتبارات تتعلق ببنية اقتصادنا الوطني ومرتكزاته الأساسية. وفي ظل الآمال الكبيرة في إبطاء وتيرة رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية العالمية في اجتماعاتها الأخيرة، فمن المتوقع أن نشهد تغيراً على الصعيد الداخلي لقرارات السياسة النقدية.

بثقة تامة أقول إن سلوك المركزي الأردني في السياسة النقدية سيبقى ملائماً، ومنصباً نحو المحافظة على مستوى كافٍ من الاحتياطيات الأجنبية، لتمتين السياسة النقدية في المملكة، وبما يعزز من القوة الشرائية للدينار، والترويج له كوعاء ادخاري آمن.

لا تنازل عن الاستقرار النقدي، وكلنا أمل وتفاؤل بالبنك المركزي وقراراته الصائبة التي سيتخذها للتعامل مع التغيرات الاقتصادية العالمية والاقليمية والمحلية، واستمراره في تطبيق سياسات نقدية تستند إلى أقصى درجات الحرص والتفاعل المرن والمدروس مع جميع التطورات في الاقتصاد الوطني والدولي، بما في ذلك التطورات على صعيد أسواق النقد المحلية والعالمية، وأسعار الفائدة السائدة في هذه الأسواق بما يكفل الحفاظ على الإنجازات المتحققة واستمراريتها.

وباعتقادي سيمضي البنك المركزي قدماً في قراراته الجريئة، بشعار لن يتنازل عنه، الاستقرار النقدي، ولا شيء سوى الاستقرار النقدي.

 

الغد






زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق