مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة 2022: خطوة مهمة في طريق طويل

الكاتب حازم الضمور*

استضاف الأردن الدورة الثانية من “مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة” في مركز الحسين بن طلال للمؤتمرات في منطقة البحر الميت اليوم الثلاثاء 20 ديسمبر 2022، بمشاركة 12 دولة هي؛ العراق ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت وتركيا وإيران وفرنسا، بالإضافة إلى البحرين وعُمان -اللتان لم تشاركا في الدورة الأولى من المؤتمر التي انعقدت في بغداد في الثامن من أغسطس 2021- بالإضافة إلى أمين عام جامعة الدول العربية وأمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبمشاركة المنظمات الدولية عبر ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي.

ويأتي انعقاد المؤتمر بعد ثلاثة شهور من الزيارة التي قام بها جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين إلى فرنسا في الرابع عشر من سبتمبر 2022، والتي نتج عنها الدعوة المشتركة بين عمّان وباريس إلى عقد مؤتمر جديد “في أسرع وقت ممكن”، وبعد أقل من شهر على زيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى الأردن في الثاني والعشرون من نوفمبر 2022. وعلى غرار الدورة الأولى من مؤتمر بغداد، يبحث المؤتمر في دورة الأردن قضايا ومستجدات الشرق الأوسط، حيث تأتي هذه الدورة من المؤتمر في ظل ظرف متوتر تشهده الساحة الدولية انعكس على مجمل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية لا سيما المتعلقة بأمن الطاقة والأمن الغذائي، ووسط محيط إقليمي يبحث عن الاستقرار عبر تدعيم الأطر التعاونية والتشاركية بين دوله، وهو ما يمنح المؤتمر أهميته الكبيرة.

“دعوة عمّان” للاستقرار والسلام العادل

انعقاد الدورة الثانية من المؤتمر، رغم أنه يأتي كامتداد لدورته الأولى، إلا أنه يأتي في ظل متغيرات إقليمية ودولية جديدة، بدءّا من تولي محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة العراقية خلفاً للكاظمي، وصولاً إلى نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة التي أفرزت حكومة يمينية متطرفة، مروراً باشتداد أزمات الطاقة والأمن الغذائي بعد الأزمة الأوكرانية وجائحة كوفيد-19،فقد ذكر جلالة الملك عبدالله الثاني، أن المؤتمر ينعقد في وقت “تواجه فيه المنطقة الأزمات الأمنية والسياسية، بالإضافة إلى تحديات الأمن الغذائي والمائي والصحي، وضرورة تأمين إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد والتعامل مع تداعيات التغير المناخي”. وقد تطرق جلالة الملك في كلمته الافتتاحية إلى أن مواجهة التحديات المشتركة “تستدعي عملاً جماعياً تلمس شعوبنا آثاره الإيجابية”.

فبعد أن واجه الشرق الأوسط خلال العقد السابق أزمات مُعقدة ومُركبة ألقت بظلالها على دول المنطقة، جاءت جائحة كوفيد-19، وثُم الأزمة الأوكرانية، لتُفاقم الصعوبات الاقتصادية والأمنية في الإقليم، عبر سلسلة من التهديدات الناشئة وغير التقليدية خلفت هي الأخرى آثاراً سلبية على المؤشرات الاقتصادية والتنموية على المستويات الوطنية، وهي التهديدات التي يصعب على دولة واحدة الاستجابة لها كما في التغيرات المناخية وسلاسل التوريد وتنامي الجماعات المُسلحة دون الدول وغيرها؛ ما يتطلب بالأساس عملاً مشتركاً يُمكّن دول المنطقة من تفادي ما يترتب عنها من تداعيات على كافة الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

وبذلك؛ فإن استضافة الأردن للمؤتمر بدورته الثانية، يأتي استكمالاً لدورها في الدعوة إلى دعم أطر الشراكات الإقليمية المُحققة للسلام والاستقرار، وتأكيداً على مخرجات الدورة الأولى منه، بحاجة الإقليم لإرساء السلم والاستقرار، وتحييد الاستقطاب في العلاقات بين دوله، وتأتي مشاريع التعاون المُشتركة بوصفها الوسيلة لتحقيق ذلك. وما مؤتمر بغداد إلا تطبيق فعلي لهذا التصور عبر ترجمة نتائجه إلى “شراكات قوية ومؤثرة” كما أشار جلالة الملك في كلمته الافتتاحية.

ظروف مُغايرة في دورتي المؤتمر

تميزت دورة “مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة” الأولى، بعودة العراق كدولة حاضرة إقليمياً وعربياً، عبر تأديتها دور الوسيط في المباحثات السعودية-الإيرانية، وانخراطها في شراكات اقتصادية إقليمية منها الشراكة التنموية الثلاثية مع مصر والأردن، حيث أدركت بغداد كما الدول العربية أن دعم الاستقرار في العراق هو مصلحة لدول الجوار، وخطوة هامة في سبيل خفض التوتر بين دول المنطقة، من خلال تقليل مساحات التدخلات الإقليمية في الساحة الداخلية العراقية، وتأتي كانعكاس للسياسة التي رسخها رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي ضمن ما عُرف بـ”عقيدة الكاظمي”، والمرتكزة على تأدية العراق سياسة خارجية مُتوازنة وفاعلة تجاه دول الجوار والإقليم، والذي كان له دور فاعل في استضافة بغداد للدورة الأولى من المؤتمر. ويبدو أن رئيس الوزراء العراقي الجديد محمد شياع السوداني عازم على استكمال المسار نفسه، وبميزة توليه منصبه عبر القنوات الدستورية بعد عام من الفراغ السياسي الذي واجهته البلاد، وقد أكد على ذلك في كلمته بالمؤتمر بالقول، إن حكومته “تتبنى نهجاً منفتحاً يهدف لبناء شراكات إقليمية ودولية مبنية على المصالح المشتركة، بما في ذلك إنشاء المشاريع الاستراتيجية التكاملية لربط العراق مع محيطه الإقليمي”.

وبالمُجمل؛ فإن اتباع العراق لسياسة مُتوازنة على المستوى الإقليمي، قد انعكس في قضايا المؤتمر ومخرجاته، خاصة من حيث سبل دعم العراق في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وكسر عزلته وعودة دوره الإقليمي الفاعل، بالإضافة إلى تناول قضايا الإقليم في فلسطين وسوريا ولبنان واليمن، وغيرها.

كان لافتاً في المؤتمر الأول حضور البعد العربي، والتركيز على التعاون الثلاثي ما بين العراق والأردن ومصر، والاتفاق على إقامة سكرتارية دائمة لتنسيق العمل بين الدول الثلاث، وهو ما أكدّ عليه لاحقاً كل من جلالة الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بالإضافة إلى تصريح وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الذي أشار إلى أن العلاقات بين الدول الثلاث تنطلق من ذات الرؤية السياسية، وستبقى تعمل معاً لترجمة الإرادة السياسية في إطار العمل المثمر.

مؤتمر بغداد الأول، كان قد مهّد له انعقاد قمة ثلاثية أردنية مصرية عراقية في بغداد في السابع والعشرين من يونيو 2021، والتي تمحورت حول صياغة رؤية مشتركة بشأن القضايا الإقليمية، والتركيز على قضايا الأمن الغذائي والتعاون الاقتصادي المشترك، خاصة في مجالات الربط الكهربائي والنقل والزراعة والصناعات الدوائية وإنشاء مدن صناعية.

أهمية المؤتمر في عدة مستويات

إن أهمية المؤتمر الحقيقية تظهر في مرحلة ما بعد انتهاء مداولاته الرسمية، وفيما يعقد من لقاءات ثنائية أو جزئية بين أطرافه، وتتجلى تلك الأهمية في عدة مستويات، هي:

أولاً: المستوى الأردني

يشكّل انعقاد المؤتمر في المملكة الأردنية الهاشمية نجاحاً كبيراً للسياسة الخارجية والدبلوماسية الأردنية، ودفعة قوية لتعزيز الدور الأردني الإقليمي في أبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية، ومساهمته في تخفيف التوتر وحل أزمات المنطقة، في نفس الوقت الذي تتعزز فيه الشراكة الاستراتيجية ما بين الأردن وفرنسا سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بما يساهم في تعزيز حالة الاستقرار الداخلي والقدرة على مواجهة التهديدات الناشئة والعابرة للحدود.

وفي هذا السياق قد يساهم الدور الأردني في تخفيف حالة التوتر والاحتقان على الحدود السورية التركية بعد تلويح تركيا بشن هجمات برية واسعة وإقامة “حزام أمني” في الشمال السوري بعمق 30 كم، بحكم المشاركة التركية في المؤتمر، والتي لن تتم بدون استحقاقات تقدمها جميع أطرافه.

ومن غير المستبعد أن يتطرق الأردن إلى التواجد الإيراني على حدوده الشمالية والشرقية؛ عبر المجموعات المُسلحة التي تدعمها، وتنشط في عمليات تهريب المخدرات العابرة للحدود.

ثانياً: المستوى العربي الثلاثي

يحمل المؤتمر الكثير من الفرص لتطوير ما تم إنجازه على صعيد العلاقات الأردنية المصرية العراقية المشتركة، خاصة من ناحية المضي قدماً في تنفيذ المشاريع المتفق عليها بين الدول الثلاثة، كمشروع “الشراكة التنموية” الثلاثية الهادف إلى إعادة إعمار العراق وربطه بشبكة الكهرباء، وخط النفط العراقي الأردني المصري، والمدينة الاقتصادية الأردنية العراقية المشتركة، ومشروع نقل البضائع، وغيرها من المشاريع التي تؤسس للتكامل الاقتصادي بين الدول الثلاثة، وتساهم في دعم استقرارها الداخلي وحل أزماتها الاقتصادية.

وعلى هامش المؤتمر؛ انعقد لقاء ثُلاثي جمع جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء العراقي محمد السوادني، لبحث الشراكة الثلاثية وللتأكيد على ضرورة استكمال المشاريع ضمنها وتسريع وتيرة تنفيذها.

ثالثاً: المستوى العراقي

يشكل المؤتمر خطوة إلى الإمام في طريق مواجهة العراق للكثير من التحديات التي تواجهه سياسياً وأمنياً واقتصادياً، بالإضافة إلى مشاكل الحدود مع تركيا وإيران، خاصة مع تولي السوداني لرئاسة الحكومة، والذي قد يكون أوفر حظاً من سلفه في “حلحلة” أزمة الحدود مع إيران التي شنت هجمات صاروخية على قواعد كردية في شمال العراق، إضافة إلى الضربات التركية المستمرة للمجموعات الكردية التي تتهمها أنقرة بالتعاون مع حزب العمال الكردستاني في ذات المنطقة.

في نفس الوقت يعزز المؤتمر من دور العراق الإقليمي، خاصة في الوساطة ما بين إيران والمملكة العربية السعودية، كما من بوابة “إعادة الإعمار” والمشاريع الاقتصادية المرتبطة به، والتي لن تكون عواصم الإقليم بعيدة عنها، بالإضافة إلى تعزيز الدعم الأمني والتعاون الاستخباري الإقليمي للعراق في حربه المستمرة ضد الإرهاب.

رابعاً: المستوى الفرنسي

الدور الفرنسي دور مركزي في مشروع المؤتمر من لحظاته الأولى، وهو يعكس الاهتمام الفرنسي المتزايد لتعزيز علاقته مع الدول العربية، ويشكل فرصة لتدخل أوروبي أكثر توازناً من نظيره الأمريكي في المنطقة، وبالإضافة إلى الاهتمام الفرنسي بالملف العراقي، خاصة أمنياً في سياق مكافحة الإرهاب، أو اقتصادياً في سياق مشاريع تنموية واعدة كمشروع توليد الكهرباء بالطاقة النووية، ويظهر الدور الفرنسي فاعلاً بشكل خاص في الملف اللبناني الذي يواجه حالة من الفراغ السياسي مع إخفاق مجلس النواب انتخاب رئيس للبلاد حتى اللحظة.

إلى جانب أن الحضور الفرنسي والتمثيل الأوروبي قد يضع الملف النووي الإيراني على طاولة المحادثات على هامش المؤتمر، ويُعزز من إمكانيات ذلك أن الوفد المرافق لوزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، يضم إنريكي مورا، وهو المُنسق المباشر لمفاوضات النووي الإيراني. وكان وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان قد ألمح قُبيل انعقاد المؤتمر؛ بأنه يُشكل فرصة لتحريك المفاوضات النووية العالقة منذ شهور.

وفي الختام؛ قد يُشكل مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة في دورته الثانية خطوة نحو الاهتمام بقضايا العراق ودول الإقليم بشكل أكثر واقعية وأقرب للتفاصيل وإنجاز المشاريع، والمساهمة في تحقيق التكامل الثلاثي العربي ما بين العراق والأردن ومصر، وتعزيز التعاون الإقليمي/ الدولي في قضايا التنمية ومكافحة الإرهاب، وتخفيف التوترات الحدودية ما بين دول الإقليم، وغير ذلك من القضايا الكبيرة ذات الاهتمام المشترك، ولكنها “خطوة” واحدة في طريق طويل يستدعي الكثير من الجهد على المدى البعيد.

  • مركز ستراتجيكس





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق