تأمين صحي لا يراعي الحقوق

محمود الخطاطبة

مواطنة أردنية تتقاضى راتبًا مقداره ثلاثة عشر دينارًا فقط شهريًا، هو حُصتها من راتب والدها المُتوفى (الشيخوخة)، الذي يبلغ مجموع ما يتقاضاه من المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي نحو مائة وأربعين دينارًا، مع ثلاث أخوات، كُل واحدة تتقاضى القيمة نفسها، وزوجة المُتوفى، التي تبلغ حصتها ما يقرب من الثمانين دينارًا.
تلك قصة حقيقية لعائلة من العائلات الأردنية، التي باتت تنفع مُعاناتها لعمل مُسلسلات أو أفلام حولها، أو تُكتب كروايات يقرأها أبناء جلدتنا بشكل خاص.. ويبدو أن الشعب بدأ يعتاد مثل هذه القصص وتلك المبالغ المُخصصة لأُسر، خدم أربابها الوطن والمؤسسة التي كانوا يعملون فيها، أقلها لمدة ثلاثين عامًا.
ليس هذا مربط الفرس، وإنما المُصيبة تكمن في أنه عندما أرادت أن تحصل تلك المواطنة على تأمين صحي، تتفاجأ بأنها مُطالبة بدفع مالي قدره ستون دينارًا، حتى تستطيع الحصول على تأمين صحي، صفته الأساس بأنه أقل من عادي، مدته عام واحد فقط، والسبب في ذلك أنها "مُنفصلة"، بالمُقابل وضع شقيقاتها ليس أحسن منها حالًا، إذ كُل واحدة منهن يتوجب عليها دفع نحو 3 بالمائة من قيمة ما تتحصل عليه من راتب الشيخوخة، العائد لوالدهن المُتوفى.
بحسبة بسيطة، فإن تلك المواطنة يتبقى لها من راتب "شيخوخة أبيها"، ثمانية دنانير فقط شهريًا.. هذه المواطنة تقول لي: "تخيل كم الوضع مُزر. فأنا الحمد لله لدي أشقاء يتكفلون بمصاريفي. أما الأُخريات فما مصيرهُن؟!".. أترُك الإجابة للمسؤولين.
لا أحد يعرف ما كان يدور في خُلد ذلك المسؤول، عندما وضع مثل هذا القرار.. وللعلم، فإن قرار اشتراط دفع البنت المُنفصلة، ستين دينارًا لكي تحصل على تأمين صحي، صدر في شهر آذار الماضي، بكُل سرية، وكأن القرار يمس أمن الدولة، فلا أحد يعلم به إلا عند عملية تجديد ذلك "التأمين".
أتمنى على أي مسؤول من هذا القبيل، وقبل أن يتخذ مثل تلك القرارات، أن يُراجع، ولو على عجل، قيمة الراتب التقاعدي، أكان المدني أم "الضمان"؛ إذ من المعلوم أن العديد من مُتقاعدي الضمان لا تتجاوز رواتبهم الشهرية الـ200 دينار، وليس مُتقاعدي "المدني" أفضل حالًا منهم.
مرة جديدة تُثبت الحُكومة، مُمثلة بوزارة الصحة، أنها تُصدر قرارات وتتخذ إجراءات، بلا أي دراسة أو أدنى اهتمام لأُسر، وضعها الاقتصادي والمعيشي أجبرها على المُعاناة الدائمة، إلى درجة باتت تُعاني الأمرين للحصول على علاج في مُستشفيات ومراكز صحية عادية.. في حين أن وزير الصحة ومُستشاره الإعلامي، وللأسف، لا يُجيبان على المكالمات للوقوف على مثل هذه الحالات.
لو كان ذلك المسؤول دقق وفند قراره لدقائق فقط، فإنه حتمًا سيتراجع عنه، أو على الأقل استثنى أولئك الذي "يرثون" راتبًا تقاعديًا لا تتجاوز قيمته الشهرية الـ150 دينارًا.
لا أحد ضد تطبيق القانون، لكن كُل قوانين الدنيا فيها قائمة من الاستثناءات، ولو من قبيل "النظرة الإنسانية".. إلا أن الكثير من مسؤولي هذا البلد، أصبحوا يُعانون من "قُصر" نظر بشأن الحالات الإنسانية.. فالقانون والدستور، يوجبان النظر بكُل اهتمام لأُسر، سمتها الأساس "محدودية" دخلها الشهري، وعدم المقدرة على تأمين علاج أو تعليم.
يبدو أن المواطن الأردني فقد الأمل بالحُكومات، حتى بات يُطالب بما كفله الدستور والقانون والإنسانية، وهو تأمين صحي أو توفير لعلاج وقت الحاجة فقط!.

الغد





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق