الملك والمغطس والقدس والتعاون الاقتصادي

كتب محمد المومني

مقابلة مهمة حملت مضامين رمزية واستراتيجية عميقة تلك التي أجرتها بكي اندرسون من سي ان ان مع جلالة الملك. المقابلة جرت في المغطس، وهذا بحد ذاته مهم للإضاءة على أهميته وخطة تطويره، وليقول الملك للعالم أجمع والمسيحي منه، إن هذا الموقع هو ثالث أقدس موقع للمسيحية في العالم، ولك أن تتخيل كمية الترويج السياحي الذي تحقق من هذه المقابلة في المحطة الأكثر مشاهدة في العالم الغربي.

الملك أرسل معاني رمزية مؤثرة في هذه المقابلة، ذكر الجميع أن هذا الموقع "المغطس" والأردن هو من استقبل المسيح عليه السلام لاجئا هاربا من البطش والظلم، وقد استمر الأردن، عبر تاريخه، باستقبال اللجوء المسيحي حتى قبل نحو مائة عام استقبل الملك عبد الله الأول اللاجئين المسيحيين الأرمن الهاربين من البطش، واستقبل الأردن أيضا المسيحيين من العراق وسورية الهاربين من داعش والإرهاب.

"هذا هو الأردن، عبر تاريخه"، يؤكد جلالة سيدنا، لذلك نريد للمغطس وخطة تطويره أن تكون رمزا للتعايش والوئام، مشيرا لحقيقة أن الأردن بالفعل رمز للتعايش الديني وأن 15 % من زوار المغطس هم من المسلمين الذين يقدسون المسيح عليه السلام. سيدنا يبني على إرث كبير من التاريخ والمبادرات الهاشمية ليرسخ مكانة الأردن وقيمه كحاضن ومبادر للسلام والتعايش، منها رسالة عمان العميقة والمؤثرة، ومبادرة ووثيقة كلمة سواء، وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان الذي تبنته الأمم المتحدة بمبادرة واقتراح أردني.

أما في ملف القدس، فالملك يستأنف بدبلوماسية عالية وحكمة هادئة، التذكير أن المجتمع المسيحي في القدس تحت ضغط وفي تناقص، وكان لافتا كيف أن محطة سي ان ان استعادت مقاطع من كلمة سيدنا المؤثرة حول القدس ومسيحييها، في إشارة الى أن ما قاله الملك هو الحق، مدعوما بحقائق الميدان، وكيف أن مزيدا من الأصوات والمنابر الوازنة تنتظم حوله وتؤيده.

ربما هذا هو الهجوم الدبلوماسي والسياسي الأعمق والأكثر تأثيرا الذي تعرضت له السياسات الإسرائيلية منذ سنوات طويلة. هجوم مؤثر خلط الأوراق أمام الجميع، مدعوما بإرث هاشمي تاريخي، وحزمة مبادرات تعايش نبيلة، وملك يحظى بحضور ومهابة دولية ومصداقية سياسية عظيمة. سيدنا أشار أيضا الى أن للأردن خطوطا حمراء ترتبط بالقدس وأن من يتخطاها سنتعامل معه، في إشارة لاستعداد الأردن لتوظيف أوراقه العديدة في مواجهة ذلك، وبفضل توظيف الأردن أوراقه السياسية والدبلوماسية أصبح ملف القدس والحفاظ على أوضاعها التاريخية ليس فقط خطا أحمر أردنيا، وإنما أيضا تحت المجهر العالمي.

سيدنا أشار لأفق التعاون الإقليمي الاقتصادي وأنه مصلحة للجميع، فهو يخلق حالة من الاستفادة من النجاحات بين الدول، وتلك رسالة إيجابية للجميع للانخراط بالتعاون الاقتصادي، وألا نبقي على السياسة المفرقة تقف في طريقه. لكن الملك أكد بوضوح أيضا أن التعاون الاقتصادي وإسرائيل جزء منه لن يتحقق إلا إذا ما تم إدماج وإشراك الفلسطينيين فيه، وهذا يعني ضمنا الاشتباك معهم سياسيا.

مقابلة ذات دلالات كبيرة ومهمة، وتلك خير ما نختم به هذا العام الصعب. الملك يدفع ويروج للأردن، ويشتبك ويقاتل دفاعا عن مصالح الأمة وقيمها، وتلكم شيم خير من يمثل الوطن الأردني العظيم. (عن الغد)





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق